الرأي

في أزمة كورونا… منظومة السياحة والسفر من الصدمة إلى الابتكار 2

د. طلال المغربي

أكاديمي ومستشار في التسويق الاستراتيجي

الابتكارات والتقدم التقني ساعد في التطور الكبير في صناعة الطائرات والذي أسهم في نمو شركات الطيران التقليدي وزيادة رحلاتها الدولية وزيادة أعداد شركات الطيران الاقتصادي التنافس الكبير بينهم أسهم في تدني أسعار السفر خاصة الرحلات الدولية. كثير من الدراسات السابقة بما فيها إحصائيات منظمة الطيران العالمية أياتا تشير أن الأسعار هي العامل الأهم في جذب العملاء للسفر والسياحة. تاريخ شركة الطيران في السلامة وملاءمة الأسعار هي في أعلى القائمة لأي دراسات وإحصائيات عند اختيار شركة الطيران. فالأسعار مكنت الأفراد والعوائل من السفر لوجهات سفر جديدة واستغلال الإجازات القصيرة والصيفية والتعرف على وجهات وثقافات أخرى.

رغم أن حركة النقل الجوي حققت أرقام تاريخية في 2019م، كان متوقع استمرار نمو في حركة النقل الجوي وإعداد المسافرين جوا عام 2020م، إلا أن كورونا أوقت السفر وغيرت نمط الحياة وطبيعة الاجتماعات السياسية والأعمال حول العالم وجعلت الواقع الافتراضي أكثر قبولا وأسرع إنتاجا. فرأينا اجتماعات G 20 ورئيس أهم 20 دولة اقتصادية بالعالم بقيادة المملكة العربية السعودية تعقد اجتماعها افتراضيا. الاتحاد الأوروبي وبقية حكومات العالم أصبح اجتماعها افتراضيا. منظمة الصحة العالمية ووزراء الصحة حول العالم تناقش افتراضيا آخر تطورات جائحة كورونا والتطورات الطبية لإيجاد لقاح لها.

التعليم حول العالم استمر افتراضيا، رغم أهمية التفاعل الإنساني والاجتماعي والنفسي للطلاب والطالبات خاصة لمراحل الابتدائي. أصبحت المحاضرات والتفاعل افتراضيا وفرص الوصول للطلاب والطالبات خارج محيط وحرم المدرسة والجامعة وقاعات الفصول أكبر وأسرع وسمح للطلاب والطالبات حول العالم أن يعودوا لبلدانهم دون انقطاع التعليم. بل أصبحت مرونة الأعمال هي سيد الموقف في الأنظمة والسياسات ونظم التعليم وسرعة استجابة العاملين والطلاب والطالبات مع قطاع تقنية المعلومات.

أصبح التعليم الافتراضي أكثر قبولا في المجتمعات وبين الطلاب مما يضغط على المدارس والجامعات لتطوير نماذج أعمالها وتطوير مستمر للتقنيات فيها وتأهيل الكادر الإداري والأكاديمي والتعليمي للتعامل مع المتغيرات وكيفية تحسين تجربة العميل والتفاعل في نمط التعليم الجديد وسوف يساعد في تخفيض مصاريف السفر والانتداب. بل يمكن تقنين برامج الابتعاث ليكون جزء منها إلكترونيا مع تفعيل العلاقات الجامعية الدولية لنرى محاضرات مشتركة تبث من جامعات عالمية لطلاب في قاعات الجامعات السعودية.

مناقشات دراسات الدكتوراة وحضور المؤتمرات العالمية والمشاركة بورقة عمل أو بحث علمي أصبح أمرا مقبولا افتراضيا مما يساعد في تقليل مصاريف السفر ورحلات العمل وبل ويساعد في عملية التطوير والانتشار والمشاركة في أكثر من مؤتمر حول العالم طوال العالم ودون الارتباط بميزانية أو عدد رحلات عمل محدد لكل باحث.

اقتصاد العالم يعتمد على أنواع السياحة من تعليم وصحة وترفيه ورياضة وأعمال ومؤتمرات وغيرها من تصنيفات السياحة العالمية والذي أسهم الطيران في تعزيزها. السياحة التعليمية تعتبر محركا اقتصاديا مهما وتعتمد معظم الدول خاصة الأوروبية والأمريكية على التدريب، والبرامج التعليمية الموسمية والأبحاث والمؤتمرات العلمية والدراسة التقليدية في المدارس والجامعات وجذب الطلاب الأجانب (70 ألف بطاقة الدفع طالب في بريطانيا سنويا من الصين). بل اقتصاد المدن ومعظم الجامعات لا تستطيع الصمود بعيد عن وجود الطلاب الأجانب لإنعاش الحركة الاقتصادية فيها.

رحلات العمل والمال والأعمال وعقد الصفقات يمكنها الآن أن تعقد في أي وقت افتراضيا ويمكن تحويل الأموال ومصادقة العقود إلكترونيا الواقع الافتراضي للأعمال والمؤتمرات والاجتماعات والتعليم يساعد في تقنين الميزانيات لتسخيرها في استمرار وتسريع وتيرة التطوير. بل ويساعد الحكومات والمؤسسات في تحويل ميزانيات الانتداب ورحلات العمل إلى قطاعات أخرى أكثر احتياجا.

السياحة الرياضة وحضور المناسبات والدوريات حول العالم أحد تصنيفات السياحة العالمية ومصدر اقتصادي كبير للدول والمدن والأندية الرياضية وبل تعتبر السياحة الرياضية قوى ناعمة تساعد في تحسين الصورة الذهنية للدول. في بريطانيا، مليون زائر من خارج بريطانيا يسافرون إليها بغرض مشاهدة مباريات الدوري الإنجليزي. مع الاحترازات الوقائية والتوجه لإقامة المباريات دون جماهير لمدة من الزمن وثم إقامة المباريات بوجود التباعد الاجتماعي داخل الملاعب الرياضي بأقل من طاقتها الاستيعابية يساعد الأندية في إيجاد بدائل إيرادات مالية وتجعل النادي في تفاعل مستمر مع الجماهير بالتوجه للابتكارات الرياضية والواقع الافتراضي والمعزز الذي يتيح للجماهير بمشاهدة المباريات والتفاعل معها كما لو كان داخل الملعب الرياضي. مدة أزمة كورونا ساعدت قطاع الأعمال المختلفة يعيد تقيم نموذج الأعمال ليكون مرنا سريع التأقلم مع طرق مبتكرة. حسب التوصيات مع علماء من دول مختلفة بأن السنوات القادمة سوف يستمر التباعد الاجتماعي والعمل عن بعد ولبس الكمامات قد يصل ليكون إلزامي في حياتنا اليومية. التباعد الاجتماعي يعني تغير طريقة نمط حياتنا اليومية بين التسوق والازدحام والتباعد الاجتماعي في الأسواق والمطاعم وفي الجامعات وقاعات المحاضرات والفنادق. تدريب العاملين في القطاعات المختلفة للتعامل وإدارة الأعمال بما يتناسب مع المتغيرات ويكون لديهم مرونة الإبداع والابتكار ومعرفة الجديد مع إعادة الثقة في القطاعات المختلفة يعني أعباء مالية وإنفاقا ماديا كبيرا مع إضافة وجود المعقمات والكمامات ونسبة ارتكاب أقل من الطاقة الاستيعابية المعتادة مما يعني مداخيل وعوائد مادية أقل.

أزمة كورونا وتغير نمط الحياة فيما بعد كورونا سوف يستمر أثره الاقتصادي السلبي على منظومة الطيران التقليدي والاقتصادي. كما كانت منظومة الطيران العامل الأقوى في حركة السفر وتقارب الشعوب وتعزيز سمعة الدول وتعزيز اقتصاد الدول بوجود الأمن والسلامة ومنافسة الأسعار لجميع طبقات المجتمع، الاتجاه المستقبلي للبدائل قد يقلل الطلب على السفر المتكرر. إعادة الثقة في السفر بالطائرات من خلال ضمان بيئة خالية من الأوبئة داخل الطائرات خاصة للرحلات الطويلة يعني أعباء مالية إضافية لتعقيم مستمر للطائرات، توزيع كمامات للمسافرين وطاقم الطائرات، حملات إعلانية وتوعية وكسب ثقة العملاء. هذه الأعباء المالية قد تؤدي لزيادة الأسعار للسفر وزيادة تأمين السفر مما يصعب إمكانية السفر لكل طبقات المجتمع وقد يعود السفر ليكون للأغنياء والطبقة فوق المتوسطة. التكاليف المالية الإضافية يجعل قدرة الطيران الاقتصادي بالعودة بوجود التباعد الاجتماعي داخل الطائرات أمرا مكلفا جدا ويجعل الميزة التنافسية للطيران الاقتصادي بتقديم أسعار في متناول الجميع صعب المحافظة عليه وقد تعجل في خروج شركات الطيران الاقتصادي من السوق وإعلان الإفلاس أو حصول الاندماج بين الشركات أو تغير نموذج أعمالها…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات