الرأي

كيف تُهندس المتاجر خياراتنا الغذائية؟

د. طلال المغربي

أكاديمي ومستشار في التسويق الاستراتيجي

لم تعد التحديات الصحية المرتبطة بأنماط الغذاء الحديثة مجرد قضية طبية، بل أصبحت أحد أكبر التحديات الاقتصادية والاجتماعية والاستراتيجية عالميًا. فوفق منظمة الصحة العالمية، يعيش اليوم أكثر من مليار شخص حول العالم مع السمنة، بينما تضاعفت معدلات زيادة الوزن بين البالغين أكثر من مرتين منذ عام 1990م. كما أن الأمراض غير المعدية مثل السكري وأمراض القلب والسرطان تتسبب في نحو 43 مليون وفاة سنويًا، أي ما يقارب 75% من الوفيات عالميًا.

لكن السؤال الذي بدأت الحكومات ومراكز الأبحاث العالمية تطرحه بجدية لم يعد: “لماذا يأكل الناس بشكل غير صحي؟”، بل: “من الذي يشكل خياراتهم الغذائية أساسًا؟”.

دراسة علمية حديثة منشورة في المجلة الدولية لسياسات وإدارة الصحة كشفت جانبًا بالغ الأهمية من هذه المنظومة، موضحة كيف تؤثر العلاقات التجارية بين سلاسل المتاجر الكبرى والموردين العالميين على ما يراه المستهلك يوميًا فوق الأرفف، وبالتالي على أنماط الاستهلاك والصحة العامة.

الدراسة اعتمدت على مقابلات معمقة مع مسؤولين من شركات التجزئة والموردين في بريطانيا، وخلصت إلى أن الشركات الغذائية الكبرى لا تكتفي بتوريد المنتجات، بل تمارس دورًا مؤثرًا في “إدارة الفئات الغذائية” داخل المتاجر، بما يشمل تحديد أماكن العرض، وعدد مرات ظهور المنتج، والمواقع الأكثر جذبًا للمستهلك، والعروض الترويجية ذات التأثير الأعلى على قرارات الشراء.

الأخطر أن الدراسة أوضحت أن المنتجات الأعلى في السكر والدهون والملح غالبًا ما تحصل على أفضل المواقع التسويقية بسبب قدرتها على تحقيق مبيعات وربحية أعلى، وليس بسبب قيمتها الغذائية أو الصحية. الباحثون وصفوا العلاقة بين الموردين الكبار والمتاجر الكبرى بأنها “دائرة ربح متبادلة” تدفع نحو زيادة استهلاك الأغذية المصنعة والمحفزة للإدمان الغذائي.

وفي أوروبا، بدأت الحكومات تدرك حجم التأثير الاقتصادي لهذه المنظومة. فبحسب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD، قد تتسبب زيادة الوزن والأمراض المرتبطة بها بحلول 2050 في أكثر من 92 مليون حالة وفاة مبكرة في دول الاتحاد الأوروبي ودول مجموعة العشرين.

أما في الولايات المتحدة، فقد تحول العبء الصحي المرتبط بالغذاء إلى ملف اقتصادي ضخم يرتبط مباشرة بتكاليف الرعاية الصحية والإنتاجية وسوق التأمين. ولهذا شهدت السنوات الأخيرة تصاعدًا غير مسبوق في سوق أدوية خفض الوزن مثل GLP-1، وسط تحذيرات من منظمة الصحة العالمية من أن الطلب العالمي قد يتجاوز قدرة الإنتاج الحالية، مع توقع وصول التكلفة الاقتصادية العالمية لزيادة الوزن إلى نحو 3 تريليونات دولار بحلول 2030.

وفي شرق آسيا، ورغم الصورة التقليدية عن الأنماط الغذائية الصحية، بدأت دول مثل الصين وكوريا الجنوبية واليابان تواجه ارتفاعًا تدريجيًا في الأمراض المرتبطة بالأغذية فائقة التصنيع، نتيجة التحول نحو أنماط استهلاك غربية، وزيادة الاعتماد على الأغذية الجاهزة والتوصيل السريع، وهو ما دفع الحكومات هناك للاستثمار بشكل أكبر في الغذاء الصحي والتغذية الوقائية والمدن القابلة للمشي.

أما السعودية، فتعيش مرحلة تحول صحي واستراتيجي مهمة ضمن رؤية 2030. وتشير دراسات حديثة إلى أن معدلات زيادة الوزن لدى البالغين ارتفعت من نحو 29% في 2015 إلى ما يقارب 36% في 2024–2025، وسط جهود حكومية مكثفة لتحسين الصحة العامة وتقليل انتشار السكري وتحويل النظام الصحي من “العلاج بعد المرض” إلى “الوقاية وجودة الحياة”.

الأبعاد الاستراتيجية لهذه القضية تتجاوز قطاع الغذاء وحده. فنحن أمام ملف يرتبط مباشرة بجودة الحياة، والاستدامة الصحية، والإنتاجية الاقتصادية، وحتى كفاءة الإنفاق الحكومي على الرعاية الصحية. ولهذا بدأت دول عديدة في إعادة النظر في العلاقة بين التجارة والصحة العامة، عبر تشريعات تقلل من هيمنة المنتجات غير الصحية على واجهات المتاجر، وتفرض قيودًا على أساليب الترويج داخل نقاط البيع.

بحكم أنني كنت أُدرّس مجالات إدارة التجزئة والإعلان وسلوك المستهلك في أحد الجامعات السعودية وجامعة برونيل في لندن، أدرك جيدًا حجم التحدي الذي تواجهه الشركات والعلامات التجارية في تحقيق التوازن بين الإبداع، والتفاعل مع المستهلك، وبناء الصورة الذهنية، والمبيعات، والنمو التجاري. لكنني كنت دائمًا أميل إلى مفهوم التسويق الأخلاقي الذي يوازن بين النجاح التجاري ورفاهية المجتمع وجودة الحياة. وعند قراءتي لهذه الورقة العلمية، أثار فضولي بعمق ذلك الجانب غير المرئي من صناعة الغذاء، وكيف يمكن للتفاصيل التسويقية داخل المتاجر أن تؤثر تدريجيًا على سلوك الأفراد. ثم تمتد آثارها إلى صحة المجتمعات ومستقبل الأنظمة الصحية والاقتصادية.

ولهذا لم يعد ملف الغذاء الصحي قضية توعوية فقط، بل أصبح جزءًا من التحول الاقتصادي والاستدامة الوطنية. فكل تحسن في الصحة العامة يعني انخفاضًا طويل المدى في تكاليف الأمراض المزمنة، وتحسنًا في الإنتاجية، ورفعًا لمتوسط العمر الصحي، وتقليل الضغط على الإنفاق الصحي الحكومي.

الدراسة العلمية البريطانية تذهب إلى نقطة أكثر عمقًا؛ فهي ترى أن المشكلة ليست فقط في المستهلك، بل في “هندسة بيئة الشراء” نفسها. فالمتاجر تُصمم بطريقة تجعل المنتجات الأقل صحة أكثر ظهورًا وجاذبية، سواء عبر وضعها عند مستوى النظر، أو في الممرات الرئيسية، أو عبر العروض الضخمة والخصومات النفسية المحفزة للاستهلاك الزائد.

ومن هنا تتسارع الجهود عالميًا لإعادة التوازن بين الاقتصاد والصحة والاستدامة عبر فرض قيود على ترويج المنتجات عالية السكر والدهون، وتشجيع المتاجر على إعادة تصميم بيئات البيع بطريقة تدعم الصحة العامة، وليس فقط تعظيم الأرباح.

اليوم، لم يعد التسويق يُقاس فقط بقدرته على زيادة المبيعات، بل بمدى مساهمته في بناء مجتمع أكثر صحة واستدامة ووعيًا. ولهذا بدأت شركات عالمية كبرى في إعادة صياغة سياساتها واستراتيجياتها الغذائية والتسويقية بما يخدم الإنسان والبيئة والمستقبل. فعلى سبيل المثال، أعلنت Unilever خططًا لتقليل الملح والسكر والسعرات الحرارية في عدد من منتجاتها، وربطت جزءًا من استراتيجيتها بمفاهيم “العيش المستدام”. كما استثمرت Nestlé مليارات الدولارات في تطوير الأغذية الصحية والتغذية الطبية والبدائل النباتية، في ظل التحول العالمي نحو أنماط غذائية أكثر وعيًا. أما Danone  فقد تبنت توجهًا يربط بين الصحة والاستدامة والزراعة المسؤولة وتقليل البصمة الكربونية ضمن نموذج “One Planet. One Health”.

وفي قطاع التجزئة، بدأت بعض المتاجر الأوروبية والآسيوية في تقليل الاعتماد على الترويج المكثف للأغذية عالية السكر والدهون، مع توسيع مساحات المنتجات العضوية والصحية والبدائل منخفضة السعرات. كما شهدت أسواق مثل اليابان وكوريا الجنوبية توسعًا في مفهوم “المتاجر الصحية الذكية” التي تستخدم البيانات والتقنيات الرقمية لتوجيه المستهلك نحو خيارات غذائية أكثر توازنًا.

ورغم أن بعض هذه الشركات لا تزال تواجه انتقادات تتعلق بحجم المنتجات فائقة التصنيع أو التناقض بين التسويق والممارسات الفعلية، إلا أن الاتجاه العام في الأسواق العالمية أصبح واضحًا: المستهلك أكثر وعيًا، والمستثمر أكثر حساسية تجاه معايير الاستدامة، والسمعة المؤسسية باتت ترتبط بشكل متزايد بمدى مساهمة الشركة في حماية صحة الإنسان والبيئة وتحقيق قيمة مجتمعية طويلة المدى، وليس فقط تعظيم الأرباح قصيرة الأجل.

القضية لم تعد: “ماذا يأكل الناس فقط؟”، بل أصبحت: “كيف يتم توجيه خياراتهم دون أن يشعروا؟”. وهنا تكمن أهمية بناء سياسات ذكية توازن بين حرية السوق، وصحة المجتمع، واستدامة الاقتصاد، لأن تكلفة الغذاء غير الصحي لم تعد تُقاس بسعر المنتج على الرف، بل بما يتركه لاحقًا على أنظمة الصحة، والإنتاجية، وجودة الحياة.

السؤال الحقيقي للمستقبل لم يعد: “كيف نعالج السمنة؟”، بل: “كيف نبني اقتصادًا غذائيًا وصحيًا لا يصنع المرض أساسًا؟”.

وهنا تحديدًا تكمن الفرصة الكبرى للسعودية؛ ليس فقط في بناء قطاع صحي متطور، بل في أن تصبح نموذجًا إقليميًا لاقتصاد جودة الحياة، عبر دمج الصحة، والاستدامة، والابتكار الغذائي، والتقنيات الصحية، والمدن الذكية، ضمن رؤية تنموية ترى الإنسان وجودة حياته أصلًا استراتيجيًا، وليس مجرد مستهلك داخل متجر.

فالمعركة الحقيقية للصحة العامة قد تبدأ أحيانًا من رف داخل متجر، لا من سرير داخل مستشفى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات