الرأي

تهميش العلوم الإنسانية… آثار عميقة على الفرد والمجتمع والدولة

حبيب عبدالله

صحفي، عمل سابقا في الوطن، الشرق الأوسط، وصحيفة الوفاق الإلكترونية، ومجلة المجلة، ومجلة الفيصل.

في مقاله المنشور في جريدة الشرق الأوسط، عن جدل إلغاء عدد من التخصصات الإنسانية في بعض الجامعات بعنوان: (إن أعدمت العلوم الإنسانية فأبشروا بالجهل!)، تحدث الكاتب الرشيق مشاري الذايدي عن ردود الناس بين مؤيد للإلغاء حجته أن سوق العمل لا يستوعب تخصصات نظرية وفلسفية، وآخر معارض حجته أن الإلغاء يضعف التربية العقلية والتفكير النقدي ويعمم السطحية، وقد لفت الذايدي نظرنا إلى جانب خطير ومهم جدا وهو أن إلغاء العلوم الإنسانية أو تهميشها وضعفها يقود إلى إنتاج وتصدير متخصصين فنيين وتقنيين في الشأن العام، وبالوقت نفسه “تراجع التفكير النظري المتعمق الذي هو وحده- وليس الطب أو الهندسة أو علوم البرمجة وما شابه- من يكشف واقع المجتمع وكيفيات تشكل الهوية وتحديد معالمها” وأشار في ثنايا المقال إلى أن “جل قادة جماعة الإخوان المسلمين هم من المهندسين والأطباء والمحاسبين، وليس من علماء التاريخ والاجتماع وبقية العلوم الإنسانية”، وهو ما قد يفسر أخطاء الجماعة في اتخاذ القرار وفي إدارة الدولة، وفي الممارسة التنظيمية الإقصائية القائمة على السمع والطاعة وصعوبة قبولها للنقد الذاتي الداخلي. هذه الإشارة ذكرتني بمقال نُشر في صحيفة فايننشال تايمز قبل عشر سنوات تقريبًا، وفيه كشفت الصحيفة بناء على بحوث ميدانية واستخباراتية أن نسبة كبيرة من مجندي داعش وخاصة المقاتلين الأجانب، كانوا من ذوي الخلفيات التعليمية العالية، غالبا في مجالات الهندسة والعلوم والتقنية، وليس في الدراسات الإنسانية التقليدية. ولا يعني ذلك أن معظم عناصر داعش ذوو تعليم عال، بل كثير منهم لم يكونوا كذلك. ولا يعني ذلك أيضا وجود علاقة وثيقة 100% بين التطرف ودراسة الهندسة والعلوم، وجاء مقال الصحيفة كاستقصاء صحفي واستنتاج لآثار غياب التفكير النقدي عند الطلاب.

إن إلغاء أو تهميش تخصصات العلوم الإنسانية مثل التاريخ والأدب والفلسفة والاجتماع؛ ليس مجرد تحديث للعملية التعليمية، بل له نتائج سلبية عميقة على الفرد والمجتمع والدولة، وأبرز هذه الآثار الضارة هو تراجع التفكير النقدي، فالعلوم الإنسانية تدرب الطالب على طرح الأسئلة والتحليل وفهم السياقات المختلفة والربط بين المعرفة والحياة، وبدونها يصبح التفكير أكثر سطحية، والطالب أكثر تلقينا وليس فهما،، وتضعف قدرته على تقييم المعلومات لا سيما في عصر الأخبار الكاذبة والإشاعات المضللة والإعلاميين الشعبويين، وعدم قدرة وسائل الإعلام على التحقق من الأخبار ومراجعة الحقائق كما في السابق.

ومن آثار إلغائها انتشار الاغتراب الثقافي حيث يصبح المجتمع أكثر عرضة للذوبان أو التبعية الثقافية بسبب ضعف الهوية الثقافية، فالأدب والفلسفة والاجتماع تشكل وعي الإنسان بذاته ومجتمعه وسلوكه اليومي، ونحتاج إلى أبحاثها ودراساتها -بشكل مستمر – لبحث واختبار الظواهر والأنماط والسلوكيات والعادات والاتجاهات الفكرية، وغير ذلك.

قد يبدو التركيز فقط على التخصصات التقنية مفيدًا للاقتصاد لكنه في النهاية سيقود إلى اختلال التوازن في سوق العمل بسبب تقليل إنتاج المفكرين والكتاب وصنّاع السياسات مما يخلق فجوة في مهارات التواصل الثقافي والقيادة الفكرية، ويؤدي إلى بيئات عمل أكثر افتقارًا للفهم الإنساني والسلوكي وغياب قيم إنسانية مثل الأخلاق والعدالة. أضف إلى ذلك أن التفكير النقدي الحر الذي تكرسه التخصصات الإنسانية مغذ واسع للخيال والإبداع، وعلوم مثل الآداب والفنون والاجتماع مصدر أساسي للابتكار وفهم المجتمع، فحتى الإبداع في التخصصات التقنية بحاجة إلى خلفية إنسانية قادرة على دراسة وفهم السلوك البشري، فغياب الفهم الاجتماعي والثقافي والسياسي يقلل القدرة على تحليل المشكلات، ويزيد من احتمالية اتخاذ قرارات ضعيفة أو حتى كارثية، بسبب صعوبة فهم القيمة الإنسانية والتعامل معها.

لذا؛ فقرار إلغاء التخصصات الإنسانية إن كان صحيحا فإنه يمثل خطرا إنسانيا على المجتمع، فعندما يغيب التفكير النقدي ويسيطر التفكير التقني قد تختزل القيم الإنسانية لمصلحة الكفاءة فقط، وقد تتخذ قرارات دون اعتبار لقيم مثل الأخلاق والعدالة، وينتج عن ذلك مجتمع متقدم تقنيا لكنه هش وضعيف إنسانيا والمؤسسة التعليمية التي تدرس إصدار قرار إلغاء العلوم الإنسانية، فهي من حيث تعرف أو لا تعرف تسهم في تراجع جودة التعليم نفسه الذي تأسست من أجله، فالعلوم الإنسانية ليست مجرد تخصصات بل هي أصل التعليم وروحه، فجميع علماء المسلمين الأوائل تفوقوا وأبدعوا أولا في العلوم الإنسانية التقليدية كالدين والفقه والفلسفة وعلم الكلام قبل الوصول إلى ابتكاراتهم واكتشافاتهم، فالعلوم الإنسانية مهمة لتطوير القدرة على البحث والنقاش والتعبير، وبدونها يصبح التعليم مملا وجافا -بلا إثارة- ولا متعة، وإلغاؤها لا يبني مجتمعا متماسكا قويا، بل مجتمعا ناقصا، نعم قد يكون قويا تقنيا، لكنه ضعيف فكري وثقافيا.

أضف إلى ذلك، فدراسة العلوم الإنسانية لا تعني بالضرورة انضمام الدراسين إلى طابور العاطلين، فقد شاهدت وزاملت العديد من أصحاب الشهادات الإنسانية وهم يعملون في تخصصات فنية بحتة مثل التصميم الجرافيكي والإنتاج المرئي وإدارة المخاطر والإشراف على مواقع الإنترنت، وهم أكثر قدرة على التفكير وتحليل وتطوير المحتوى وفهم توقعات وسلوكيات الجمهور.

التوازن في كل شيء هو الحل، نعم من أجل مجتمع يجمع بين الهندسة والإنسان، يدرس التكنولوجيا والقيم، يربط بين الرياضيات والهوية. فنجاح الاقتصاد وحده لا يكفي دون أصل إنساني وثقافي، فالدول التي ألغت أو همشت العلوم الإنسانية في جامعاتها، بدأت بالتراجع عن هذا القرار بعد إدراك آثاره السلبية على الفرد والمجتمع والدولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات