الرأي

بودكاست بدون شماغ

حبيب عبدالله

صحفي، عمل سابقا في الوطن، الشرق الأوسط، وصحيفة الوفاق الإلكترونية، ومجلة المجلة، ومجلة الفيصل.

غريب هذا الصخب الكبير حول استقالة عبدالرحمن أبو مالح من شركة ثمانية، وغريب أكثر هذه المظلومية والهجوم على المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام بسبب استقالته وكأن شراكة الملكية والاستحواذ يعني عدم التغيير في عالم الإعلام والأعمال. بينما معروف بديهيا أن الاستحواذ خطوة متوقعة وفرصة مطلوبة للتغيير والتوسع والتطوير.

ما الإرث الذي صنعته ثمانية غير حلقات البوكاست الطويلة التي لا تخلو من الإعلانات والدعاية، هل صنعت استديوهات ضخمة تضاهي الشركات العالمية، هل صنعت أفلاما راسخة في الذاكرة، هل صنعت تغييرا مهما وملهما في طريقة التقديم والإخراج. في الحقيقة لم تصنع شيئا من ذلك، ولم تملك أي أصول ذات قيمة حقيقية باستثناء عدد ونوع المشتركين. حتى الاسم والعلامة التجارية لم يتجاوزا عشر سنوات، وهو عمر قصير في مجال الإرث، ولا يخلق قيمة فعلية.

أبرز ما تركه أبو مالح وزملاؤه هو حلقات بودكاست طويلة مع مقدمين وضيوف بدون شماغ، وطريقة غريبة في إدارة الحوارات كانت سطحية أحيانا سواء في طرح الأسئلة أو  مملة في حبكة المقاطعة أثناء الحديث. ما كان مهما ومميزا فعلا هو قدرته سواء عبر الإقناع أو العلاقات في استضافة بعض الأسماء التي بدورها رفعت من قيمة حلقات ثمانية المتنوعة، وظهور هذه الأسماء مع ثمانية رفع من قيمتها وجماهيريتها في وقت دُفنت فيه الحوارات والتصريحات الصحفية التقليدية، وابتعدت فيه الحوارات التلفزيونية الرصينة عن هذه البساطة غير الناضجة في الظهور.

يٌحسب لمشروع ثمانية استثماره وبذكاء تقديم شيء مختلف عن الإعلام التقليدي حينما استغل موت الصحافة وصعوبة تصوير مثل هذه الحوارات في التلفزيون. وللعلم مشاريع البودكاست الأخرى التي ظهرت لاحقا قدمت ما هو أفضل وأكثر متعة من ثمانية أقل دعائية، وأكثر جدية منها. ركزت ثمانية على النخبة أكثر من الجمهور العام، بينما المشاريع الأخرى نجحت في استقطاب ضيوف مختلفين كليا وغير معروفين باعتبار أن الشهرة أو الحجم ليست شرطا للظهور والحديث كما في ثمانية. لم يُدعم مشروع ناشئ مثل ما دُعمت شركة ثمانية بدءا من استضافة شخصيات مهمة من الوزراء ورؤساء الصناديق والشركات، ثم دعمها بالملايين عبر الاستحواذ عليها، وصولا إلى منحها حقوق نقل الدوري السعودي للمحترفين بدون حتى منافسة عامة.

البودكاست إنتاج سريع غير مكلف وغير مستدام، وعندما تصبح شركة ثمانية بهذا الحجم وتحت إدارة شركة أكبر منها فإنها بحاجة إلى حوكمة وصرامة ودراسة للمخاطر وتخطيط للمستقبل، وعندما تتحول ملكيتها وإدارتها إلى شركة تقليدية عملاقة فإن أي تغيير مخطط له لن يتناسب مع عقلية وأفكار صانعه أو مؤسسه. هناك من ربط خروج مؤسس ثمانية بخروج ستيف جوبز في بداياته من شركة أبل، وشتان ما بين حلقات بودكاست وابتكار عظيم مثل الآيفون.

أعتقد أن المشروع الذي تحلم به المجموعة السعودية وآمنت به وتعمل على تطويره ونقله إلى مرحلة أوسع بمحتوى أكثر تنوعا وجمهورا أكبر جغرافيا يتجاوز حلقات بودكاست بدون شماغ، والدليل منحة بث الدوري السعودي عبر الإنترنت.

عموما مشروع ثمانية ذكرني بقصة آريانا هافينغتون التي حولت مشروع هافينغتون بوست من موقع لكتابة المدونات إلى مشروع ضخم ثم باعته عام 2011م إلى شركة أخرى وخرجت بملايين الدولارات، حينها واجهت انتقادات كثيرة بسبب استفادتها من أعمال مئات الكتاب والضيوف الذين كانوا يكتبون ويظهرون بالموقع بدون مقابل جيد وأحيانا مجانًا، وساهم محتواهم في بناء وشهرة الموقع، بينما نسبت الفضل والمجد لنفسها وحققت وشبكتها الخاصة أرباحًا ضخمة. ووصف بعض الكُتاب هذا النموذج بأنه “استغلال العمل الجماعي المجاني”. وكانت هذه الحالة درسا عن كيفية استفادة المشروع ماليًا من مساهمات مجانية واسعة. بالمقابل، المدافعون عنها يقولون إن نموذج الكتابة مقابل الانتشار كان شائعًا في بدايات الإعلام الإلكتروني، وأن كثيرًا من الكتّاب استفادوا من الشهرة والوصول الجماهيري عبر المنصة، لكن هذا لا يعفيها من تهمة استغلالهم وعدم نسب الفضل لهم بعد نجاحها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات