الرأي

حين يتحدث الأمس عن أمن اليوم

عبدالعزيز المطلق

مصرفي استثماري

في عالمنا العربي هناك أفكار تصر على البقاء بعد موتها. وبين حين وآخر، يخرج علينا من يشرح حاضر المنطقة بأدوات تعود إلى زمن الراديو الأسود والخطب الطويلة، وكأن العقود الأربعة الماضية لم تكن سوى استراحة قصيرة في مسرح التاريخ.
المشهد هذه المرة بدا مألوفًا: سؤال يُطرح بنبرة الواثق عمّا قدّمته دول الخليج غير شراء السلاح. وهو سؤال يشبه أن يسأل أحدهم ماذا قدّمت السفن غير الإبحار، أو ماذا قدّم البنك غير المال، أو ماذا قدّم القلب غير ضخ الدم. فالمشكلة ليست في السؤال نفسه، بل في العقلية التي ما زالت تظن أن القوة تُقاس بعدد القصائد الوطنية، أو بحجم الصور المعلقة على الجدران، أو بعدد المرات التي تتكرر فيها الشعارات في خطاب واحد.
لكن العالم تغيّر. الجدران التي كانت تُعلّق عليها الصور سقطت، والخطب الطويلة تحولت إلى مقاطع منسية، بينما انتقلت القوة إلى مكان آخر: إلى من يملك القرار، والاقتصاد، والقدرة على النجاة حين تنهار المدن من حوله. فالنفوذ اليوم لا يُدار من شرفة التاريخ، بل من غرف القرار والأسواق والموانئ وشبكات التحالف.
دول الخليج أدركت منذ زمن طويل أن زمن الخطب انتهى، وأن النار لا تنطفئ بالتصفيق. فالمنطقة منذ سنوات لم تعد ندوة ثقافية، بل ساحة مفتوحة للصواريخ والمسيّرات، وأسواق الطاقة، والممرات البحرية، وحروب الوكالة، والتحالفات التي تتبدل أسرع من نشرات الأخبار.
وفي مثل هذا العالم، لا يكفي أن تكون جميلًا في كتب التاريخ، بل يجب أن تكون قادرًا على البقاء في نشرات الأخبار دون أن تتحول إلى خبر عاجل عن الانهيار. لا يكفي أن تملك الماضي إذا كنت عاجزًا عن إدارة الحاضر. فالتاريخ، مهما كان عريقًا، لا يعترض المسيّرات، ولا يؤمّن الملاحة، ولا يدفع الرواتب، ولا يصنع شبكة تحالفات حين تضيق الخيارات.
المفارقة أن بعض من يستهينون بدور الخليج يعودون أنفسهم، عند أول أزمة حقيقية، للمطالبة بحمايته، والدعوة إلى التضامن معه، والتنبيه إلى خطورة استهدافه. كأنهم يقولون لنا: هذا المنزل بلا قيمة… لكن رجاءً لا تدعوه يسقط، لأن الحي كله سينهار بعده. وهنا تنكشف اللعبة القديمة: إنكار الدور في أوقات الهدوء، والاحتماء به في أوقات العاصفة.
ما لم يفهمه كثيرون أن ميزان النفوذ في العالم العربي لم يعد يُوزَّع بشهادات الميلاد. لم يعد يكفي أن تقول: “كنا هنا أولًا”. التاريخ محترم، نعم، لكنه ليس بوليصة تأمين دائمة. هناك من ما زال يعيش على إيجار الماضي، يقتات من أمجاد مؤجرة، ويعتقد أن الاسم الكبير يكفي ليظل كبيرًا، حتى لو أصبح المبنى من الداخل خاليًا إلا من الغبار والخطب القديمة.
في المقابل، هناك من فهم أن العالم لا يمنح الوزن مجانًا. فبنى اقتصادًا، ونسج علاقات، وراكم نفوذًا، وتعلّم كيف ينجو من الفوضى بدلًا من الاكتفاء بالحديث عنها. وهذا لا يعني الكمال أو العصمة، بل يعني ببساطة فهم قواعد العصر الجديد.
في النهاية، دخل العالم العربي زمنًا مختلفًا. زمن لا تكفي فيه المساحة على الخريطة، ولا عدد السكان، ولا تاريخ الميكروفون. الزمن الآن يسأل سؤالًا واحدًا فقط: من يستطيع الوقوف حين يسقط الآخرون؟
أما الذين ما زالوا يتحدثون باسم الأمس، فمشكلتهم ليست أن أحدًا لا يسمعهم… بل أن الزمن نفسه تجاوزهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات