الرأي
رأس المال الديموغرافي: المحرك الغائب في معادلات النمو الاقتصادي
حجم الخط |
- A+
- A
- A-
لفت انتباهي مؤخراً الزخم الإعلامي الذي منحته قنوات بريطانية مثل (Sky News) و(GB News) لمناقشة ملف “أزمة المواليد في المملكة المتحدة”، حيث لم يعد الطرح مجرد قضية اجتماعية، بل تحول إلى إنذار اقتصادي. محور النقاش الإعلامي كان من تقرير جديد ومثير للجدل أصدره “مركز العدالة الاجتماعية” (Centre for Social Justice) في لندن، محذراً من أن نحو 600 ألف سيدة في المملكة المتحدة يواجهن خطر فقدان القدرة على الأمومة نتيجة تأخر سن الارتباط، مع توجيه أصابع الاتهام لظاهرة “تأخر النضج” لدى فئة من الرجال وتراجع استعدادهم لتحمل المسؤوليات الأسرية في وقت مبكر مقارنة بالعقود الماضية. الجدل الإعلامي أشار إلى أن التقرير وجه التهمة لعدم نضج رجال العقد الحالي ولم يشر للأسباب الحقيقية مثل ضعف الدخل والضرائب وارتفاع الأسعار والايجارات وتكلفة المعيشة بشكل عام.
هذا المشهد البريطاني يمثل نموذج مصغر لأزمة ديموغرافية تعصف بالقوى الاقتصادية الكبرى. ففي الولايات المتحدة، تُشير بعض الدراسات التحليلية إلى أن استمرار انخفاض معدلات الخصوبة قد يكلف الناتج المحلي الإجمالي خسائر ملموسة خلال العقد القادم، نتيجة انكماش القوة العاملة وتراجع القوة الشرائية. إن وجود الأطفال في المنظومة الاقتصادية للمدن والدول يمثل “وقود الحراك الاقتصادي”؛ فالطفل هو المحرك الفعلي لقطاعات العقار، والتعليم، والسلع الاستهلاكية، والابتكار، وهو الضامن لاستدامة صناديق التقاعد ونظام الرعاية الصحية عبر دفع الضرائب مستقبلاً. وفي غياب هذا النمو البشري، تقع الاقتصادات في “فخ الركود الهيكلي” (Structural Stagnation)، حيث تتجاوز تكاليف رعاية الشيخوخة ميزانيات الابتكار والتطوير.
الأرقام الرسمية في السعودية، تلحظ تحول طبيعي يواكب النهضة التنموية وتنافسية الأعمال، حيث تشير بيانات الهيئة العامة للإحصاء إلى تراجع تدريجي في معدل الخصوبة ليصل إلى حوالي 2.0، وهو ما يضعنا عند مستوى الإحلال العالمي. ويعود هذا التحول في جزء كبير منه إلى تغير بنية الأسرة السعودية؛ حيث تلاشت “الأسرة الممتدة” التي كانت توفر شبكة دعم مجانية للإنجاب، وحلت محلها “الأسرة النواتية” في المدن الكبرى. هذا الانتقال، المدفوع بهجرة الشباب والشابات بين المناطق بحثاً عن التنافسية والفرص الوظيفية الأفضل، جعل قرار الإنجاب محكوم بتكلفة الرعاية المباشرة، بعيداً عن مساندة العائلة الكبيرة، مما حول الطفل من “عنصر دعم” في المنظومة التقليدية إلى “تخطيط اقتصادي” عند تكوين الأسرة يتطلب موازنة دقيقة في المنظومة الحضرية الحديثة.
حسب النقاش الإعلامي البريطاني، فإن هذا الواقع الديموغرافي يتطلب تبني سياسات استباقية تحفز على الزواج والإنجاب كاستثمار وطني، وذلك عبر حلول ملموسة تتجاوز التحفيز التقليدي كما هو في الدول الاسكندنافية؛ مثل تقديم إعانات مالية مباشرة للمواليد الجدد، وإعادة هندسة القروض السكنية لتكون أكثر مرونة للأسر الشابة، وتطوير بيئات عمل تتبنى “الاقتصاد الأسري” (Family-based Economy) من خلال توفير حضانات مدعومة وساعات عمل مرنة في القطاعين العام والخاص.
إن استدامة التنمية في القرن الحادي والعشرين والتنافسية العالمية اقتصادياً بين الدول لن تعتمد فقط على الابتكارات والذكاء الاصطناعي، بل على حماية “الأصل البشري” الذي يضمن بقاء الأسواق حية والالتزامات المالية قابلة للسداد، مما يجعل دعم الأسرة والنمو السكاني ضرورة اقتصادية وجودية لتحقيق مستهدفات النمو العالمي المستدام.
