آخر صيحة “بيوت بلا مطابخ”

محمد البكر

في السابق، كان المطبخ جزءاً أساسياً من البيت ، وكانت الوجبة نفسها مناسبة لاجتماع الأسرة . ثم بدأ الغداء ينتقل تدريجياً إلى المطاعم ، وبعده العشاء ، واليوم أصبح الإفطار خارج المنزل أمراً مألوفاً لدى كثير من الناس . ومع انتشار المطاعم والمقاهي وخدمات التوصيل، أصبح الإنسان لا يفكر دائماً : ماذا سنطبخ ؟ بل يفكر: ماذا سنطلب؟ وأين سنذهب؟

قد يرى البعض أن هذا التغير له جوانب إيجابية ، فهو يمنح الأسرة خيارات أكثر، ويوفر الوقت والجهد ، ويخلق قطاعاً اقتصادياً ضخماً من المطاعم والمقاهي والخدمات المرتبطة بها. لكن ذلك ، في المقابل ، يغيّر وظيفة البيت نفسها ، خاصة بعد أن تراجعت فكرة أن الوجبة فرصة لاجتماع أفراد الأسرة .
تقول ابنتي إن صديقة لها ترى أنه لا ضرورة لتخصيص مساحة كبيرة وميزانية ليست قليلة لبناء وتجهيز المطبخ ، طالما أن معظم وجباتهم تأتي من خارج المنزل . ومع أنني فوجئت بهذا الاقتراح الذي أسمعه لأول مرة في حياتي ، إلا أنني أعتقد أن قصة الفتاة التي تفكر في الاستغناء عن المطبخ الكبير تستحق التوقف عندها .

فأنا لا أرى أن الاستغناء عن المطبخ الكبير فكرة غريبة أو غير منطقية ، إذا كان نمط حياة أصحاب البيت لا يحتاج إلى مطبخ واسع . فتصميم المنزل ينبغي أن يتبع احتياجات أهله ، لا أن يفرض عليهم أسلوب حياة لم يعد موجوداً . لكنني ، في الوقت نفسه ، لا أؤيد أن يصل الأمر إلى إلغاء المطبخ تماماً ، أو جعله مجرد ركن صغير جداً ، لأننا لا نعرف كيف سيتغير نمط حياتهم مستقبلاً ، ولأن المطبخ ليس فقط مكاناً لإعداد ثلاث وجبات يومياً ، بل قد يحتاجونه في المناسبات ، والضيافة ، وتحضير وجبات خاصة ، أو حتى في مرحلة مختلفة من حياتهم .

أعرف أن طرح مثل هذه الفكرة سيثير جدلاً بين من يقرأ المقال . فربما يقتنع بها الشباب الذين لتوّهم يبدأون حياتهم ، وربما يرفضها الكبار ممن تعودوا على نمط معين من الحياة ، أساسه كرم الضيافة والتوجيب . والسؤال يبقى مفتوحاً : هل نحن أمام مجرد موضة عابرة ، أم أمام تحول حقيقي في شكل البيت السعودي بشكل خاص والخليجي بشكل عام ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات