تفكيك “صمود إيران”: قراءة في طرح يحاول كسر السرديات التقليدية

عبدالعزيز المطلق

في مقاله المعنون “What looks like resilience in Iran”، يقدّم الصحفي والمحلل السياسي الإيراني Mehdi Parpanchi — الذي يشغل منصب رئيس التحرير التنفيذي في الولايات المتحدة لقناة Iran International، وسبق له العمل في BBC Persian وRadio Farda قراءة تحليلية تسعى إلى تفكيك إحدى أكثر السرديات حضورًا في النقاش الجيوسياسي: فكرة “صمود النظام الإيراني”. ويُعرف باربانجي بأسلوبه النقدي الذي يركّز على تحليل بنية النظام الإيراني وسلوكه تحت الضغط، متجاوزًا التفسيرات التقليدية السطحية.

ينطلق الكاتب من فرضية جريئة مفادها أن ما يبدو “صمودًا” في إيران قد لا يكون دليلًا على القوة، بل على العكس، قد يعكس نظامًا دخل مرحلة التآكل لكنه ما زال يعمل بآليات مصممة للاستمرار تحت الضغط.

هذه الفكرة، رغم جاذبيتها، تستحق قراءة نقدية تتجاوز الانبهار بالصياغة إلى اختبار صلابتها التحليلية.

من حيث البناء، يعتمد المقال على تفكيك مجموعة من المؤشرات التي تُستخدم عادةً للدلالة على قوة الدولة: استمرار إطلاق الصواريخ، بقاء مؤسسات الدولة قائمة، عدم حدوث انشقاقات كبيرة، واستمرار الحياة العامة. الكاتب يعيد تفسير هذه المؤشرات بوصفها “أعراض انهيار” لا “أدلة قوة”.

لكن هذا الطرح يثير سؤالًا جوهريًا:

هل يمكن إعادة تفسير كل مظاهر الاستقرار على أنها علامات انهيار؟

في التحليل الاستراتيجي، هناك خطر دائم يتمثل في المبالغة في التأويل العكسي — أي تحويل كل مؤشر إيجابي إلى دليل سلبي. هذه المقاربة قد تبدو ذكية، لكنها قد تؤدي إلى نتائج مضللة إذا لم تُدعَم بأدلة بنيوية واضحة على التفكك.

فالنظام الإيراني، تاريخيًا، لم يُظهر فقط قدرة على “التحمل”، بل أيضًا قدرة على إعادة التكيّف. وقد مرّ بمحطات كانت تبدو كأنها لحظات انهيار، لكنه خرج منها بإعادة تشكيل أدواته السياسية والعسكرية، ومن أبرزها:

• الحرب العراقية الإيرانية، حرب طويلة كادت تستنزف الدولة حديثة التأسيس، لكنها دفعت طهران إلى بناء عقيدة عسكرية قائمة على الحرس الثوري والحرب غير المتكافئة.

• مرحلة العقوبات القصوى (2010–2020): ضغوط اقتصادية غير مسبوقة، قابلها النظام بتعزيز الاقتصاد الموازي وتوسيع أدوات النفوذ الإقليمي.

• الاحتجاجات الداخلية المتكررة (2009، 2019، 2022( لحظات توتر داخلي حاد، انتهت بإعادة ضبط أدوات السيطرة الأمنية والإعلامية.

وهنا يكمن الفرق بين “نظام ينهار” ونظام يعيد تعريف نفسه تحت الضغط.

المقال يميل إلى القراءة الأولى، لكنه لا يقدّم ما يكفي من الأدلة لإثباتها بشكل قاطع.

من زاوية أخرى، يطرح الكاتب فكرة أن الاستمرار في العمل حتى تحت الضربات قد يكون نتيجة تصميم مؤسسي يسمح للنظام بالبقاء حتى في حال تضرر مركزه. وهذه ملاحظة مهمة، تعكس فهمًا لطبيعة الأنظمة التي تعتمد على اللامركزية والمرونة التشغيلية. لكن الإشكال يظهر حين يتم القفز من هذه الملاحظة إلى استنتاج أن هذا النمط من التشغيل هو دليل على “مرحلة ما قبل السقوط، فالأنظمة التي تُبنى على هذا النموذج غالبًا ما تكون مصممة تحديدًا لتفادي هذه المرحلة.

بمعنى آخر، ما يراه الكاتب كإشارة خطر قد يكون في الواقع آلية حماية.

أما النقطة الأكثر إثارة في المقال فهي طرحه الضمني بأن الهدف من هذا “الصمود” ليس الانتصار، بل الاستمرار. هذه القراءة تتقاطع مع نظريات الحروب غير المتكافئة، حيث يتحول الزمن إلى أداة استراتيجية بحد ذاته.

غير أن المقال لا يستكمل هذا الخط التحليلي بشكل كافٍ. فهو لا يناقش ما إذا كان هذا النموذج قابلًا للاستدامة على المدى الطويل، ولا كيف يمكن أن يتغير سلوك النظام إذا تجاوزت الضغوط حدًا معينًا.

وهذا ما يترك القارئ أمام طرح مفتوح:

هل نحن أمام نظام يتآكل ببطء، أم نظام يعيد ضبط نفسه ليتكيف مع بيئة أكثر عدائية؟

في المحصلة، يمكن القول إن المقال ينجح في زعزعة اليقين حول فكرة “الصمود الإيراني”، لكنه لا ينجح بالكامل في استبدالها بإطار تحليلي أكثر تماسكًا. إنه يفتح زاوية جديدة للنقاش، لكنه يظل أسير فرضية واحدة يحاول إسقاطها على كل المؤشرات.

وهنا تكمن أهميته وحدوده في آن واحد:

نص يثير الشك… لكنه لا يقدّم يقينًا بديلاً.

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات