رمضان.. عندما كنا أطفالا
حجم الخط |
- A+
- A
- A-
معظمنا يحنّ لطفولته .. لا يهم إن كان حنينه هروباً من حاضره ، أم أنه تجديد لذاكرته التي تزاحمت فيها الأحداث وتطور الحياة . ورمضان ” الطفولة ” ، يحمل معه كل الذكريات الجميلة . كان يبدأ قبل أن يثبت الهلال ، حين تتبدّل نبرة الأمهات ، ويعلو صوت الترتيب في البيوت ، ويكثر الحديث عن أسماء الأطباق الرمضانية . وكأنها إعلان غير رسمي لقدوم الضيف العزيز . كنا ننتظر المدفع لا لنتسابق على مائدة الإفطار فقط ، بل لنشعر أن اليوم نجحنا في اجتيازه أبطالاً صغاراً صمدوا أمام العطش .
في طفولتنا ، كان الفطور حدثاً جماعياً . سفرة واحدة ، ووجوه كثيرة ، وضحكات لا تحتاج إلى مناسبة . لم نكن نسأل عن عدد الأطباق ، بل عن مكان مناسب قريب من كل الأطباق التي نشتم رائحتها قبل تذوقها . ومع مرور السنوات أصبحنا شباباً ، وقد تغيّر المشهد ، لكن بقيت الروح . صار رمضان موعداً للأصدقاء ، لممارسة الألعاب الشعبية في الأراضي الفضاء وما أكثرها آنذاك ، ولجلسات السمر التي تمتد حتى السحور. كبرنا ، لكننا في الحقيقة كنا نبحث عن ذات الدفء الذي عرفناه صغاراً … فقط بملامح مختلفة .
رمضان زمان لم يكن مثالياً كما نتصوره اليوم ، لكنه كان بسيطاً . والبساطة كانت سرّ جماله. لا هواتف تسرق اللحظة ، ولا رسائل جماعية تختصر المشاعر، بل لقاءات حقيقية ، وسلام باليد والعناق ، ونظرة عين تغني عن ألف عبارة أو رسالة “جوال ” .
اليوم، حين نسترجع تلك الذكريات ، لا نفعل ذلك حنيناً للماضي فحسب ، بل بحثاً عن أنفسنا كما كنا – أقل انشغالاً ، أكثر صفاءً ، وأقرب إلى بعضنا البعض – .
رمضان لا يتغير… نحن الذين تتبدل أعمارنا ، ويبقى في القلب طفلٌ ينتظر رفع الأذان ، ولو بعد ستين عاما .
غداً وبعده وربما بعده .. مقالاتي ستكون عن رمضان الذي نحِنُّ إليه . ولكم تحياتي