الرأي

مؤسسة البريد ونادي النصر: عالمية يعجز الجمهور البسيط عن فهمها

حبيب عبدالله

صحفي، عمل سابقا في الوطن، الشرق الأوسط، وصحيفة الوفاق الإلكترونية، ومجلة المجلة، ومجلة الفيصل.

الكثير من مؤسساتنا الوطنية تحاول جاهدة للوصول إلى العالمية والحصول على لقب أفضل مؤسسة أو شركة في الشرق الأوسط ونفخ عضلاتها على المؤسسات والشركات العربية أو الآسيوية الضعيفة من حولنا، أو أن تحاول الحصول على جوائز عالمية وتخصص ملايين الريالات من أجل تسويق اسمها خارجياً أو إقناع شركات التصنيف والمرجع بدورها الإقليمي والعالمي، في حين أنها قد تكون فشلت في مهمتها الأساسية وهدفها المهم الذي تأسست من أجله وهو خدمة المواطن والوصول إليه في أي مكان في المملكة.

قبل أيام قليلة صرح رئيس مؤسسة البريد السعودي الدكتور محمد بنتن أن “البريد السعودي أصبح مرجعاً عالمياً للكثير من دول العالم”، وأفهم من ذلك أن دول العالم تحاول اتباع طريقة وفهم معجزة مؤسسة البريد السعودي، وليس الالتفات إلى التجارب الأوروبية أو الأميركية الرائدة التي أصلاً قد تكون مؤسسة البريد أخذت أفكارها منها.

 

المواطن السعودي البسيط لا يهمه وصول مؤسسة البريد للعالمية ولا يهمه حصولها على الجوائز الدولية، ولا يفكر بمنافسة الدول الأخرى، فكل ما يهمه هو وصول الرسالة الورقية إلى منزله وبدون مقابل أسوة بجميع دول العالم التي لا تفرض رسوماً على استقبال البريد بخلاف مؤسسة البريد السعودي، التي تفرض 300 ريال سنوياً على العائلة الواحدة.

قبل أشهر قليلة أردت فتح حساب جديد في بنك محلي بمدينة حفر الباطن، فاشترط البنك بأن يكون لديَّ بريد لاستقبال بطاقة الصرف الآلي، ذهبت لمؤسسة البريد في المدينة واشترطت هي الأخرى علي أن أفتح صندوقاً لديها مقابل 300 ريال في السنة، لأن البريد في مدينة كحفر الباطن يصل عدد سكانها لنصف مليون تقريباً لا يصل للمنازل في القرن الواحد والعشرين بل يجب على كل مواطن استئجار صندوق لدى المؤسسة.

أي عالمية تريدها وتروج لها وتسعى إليها مؤسسة البريد السعودي وهي لا تستطيع إيصال الرسالة إلى منازل المواطنين في مدن كثيرة بالمملكة، العالمية ليست الرياض والدمام أو جدة فقط، أن تكون نموذجاً عالمياً هو أن تكون قد أتقنت عملك في بلدك الأصلي، وأن تكون رسالتك وأهدافك المحلية تحققت على أرض بلدك بكل جودة وإتقان، أن تكون عالمياً هو أن تكون حققت نتائجاً وقدمت خدماتك لجميع المواطنين في أي مكان في الدولة وبأفضل صورة، لا يمكن التشدق بالعالمية في حين أنك فشلت في الوصول إلى هدفك المحلي الأساسي، عندما تصبح دولة مثل النرويج نموذجاً عالمياً في رفاهية مواطنيها مثلاً أو في التعليم والصحة فهي حققت ذلك على أرض الواقع لجميع مواطنيها من العاصمة أوسلو إلى أقصى مدينة شمالية على حدود المحيط المتجمد الشمالي.

باتت مؤسسة البريد السعودي مثل نادي النصر الذي يتغنى بالعالمية في مناسبة وغير مناسبة في حين أنه لم يرض جمهوره بأي بطولة أو إنجاز محلي، ففي كل بطولة يشارك فيها نادي النصر بكل فخر ترفع رايات العالمية إلا أنه يفشل في تحقيق أي نتيجة على أرض الواقع، لتبقى العالمية أغنية جميلة يرددها الجمهور متحسراً على مئات الملايين من الريالات التي يعلن عنها للتوقيع مع لاعبين أجانب لإثبات عالمية النادي ولكن بدون فائدة.

المشكلة ليس مشكلة مؤسسة البريد وحدها بل هي مشكلة كثير من قطاعاتنا الحكومية التي تفكر أو تسعى إلى تحقيق إنجاز إقليمي ودولي وتتجاهل الخدمة محلياً… فهناك مثلاً وزارة الصحة التي تضع في ميزانياتها المالية وخططها أهدافاً للحصول على اعترافات عالمية وشهادات جودة وتصنيف، في حين أن الجودة أبسط من ذلك بكثير فهي مجرد جهاز طبي جيد وطبيب قادر على تشخيص المرض وعلاج متوفر داخلياً وليس خارجياً، وليس أكثر من ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات