الرأي

مراسل وقصة وشيء من الواقعية… من أجل إعلام حقيقي يتجاوز الحدود

حبيب عبدالله

صحفي، عمل سابقا في الوطن، الشرق الأوسط، وصحيفة الوفاق الإلكترونية، ومجلة المجلة، ومجلة الفيصل.

ما الذي يستطيع إصلاحه وزير الإعلام الحالي أو أي وزير إعلام آخر، وما هي الرؤية التي يحملها أي مسؤول في هيئة الإذاعة والتلفزيون وفي القنوات الحكومية، هل الخلل في موظفي الوزارة أم الفنيين والإعلاميين أم في الشركات المنتجة والمنفذة للمحتوى التلفزيوني والإذاعي. هل تقوم الرؤية الإعلامية على مجرد رفع صوت المملكة بالخارج وصيانة صورتها عالميًا، أم التركيز على تطوير المحتوى المحلي المرئي والمسموع؟

ما يهم فعلا هو صناعة وتطوير الإعلام داخليًا قبل الاهتمام بالخارج، فهل المبادرات التي يطلقها المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون ومعرض مستقبل الإعلام أو منتدى الإعلام السعودي بهدف تطوير الإنتاج الإذاعي والتلفزيوني؛ هل قدمت فعلا حلول من أجل إعلام مختلف وجديد، من هنا أجد هذه المقترحات الثلاث وسيلة مهمة في نقل المنتج التلفزيوني والإذاعي إلى مستوى أفضل، بل وإلى جماهيرية أكبر.

1- تلفزيون الواقع

من خلال تجربتي في مشاهدة القنوات البريطانية منذ عام 2009م وحتى اليوم، فإن جزءا كبيرا من جماهيريتها وجودة برامجها هو المحتوى الذي يقدمه تلفزيون الواقع أو دراما الواقع. لا أعني إطلاقًا البرامج السطحية التافهة مثل الأخ الأكبر Big Brother أو ستار أكاديمي أو برامج المسابقات الغنائية والفنية الأخرى التي اكتفت القنوات العربية بنقلها وتجاهلت ما هو أهم وأكثر فائدة منها، أعني تلك البرامج الوثائقية التي تصور وتعرض مشاهد وسيناريو من دون نص مكتوب أو محدد، فهي ليست أخبارًا ولا أفلامًا ولا مسلسلات ولا حتى برامج حوارية (توك شو)، إنما برامج الشؤون والاهتمامات العامة التي تستعرض وتعالج قضايًا اجتماعية واقتصادية وصحية وبيئية مهمة لدى غالبية أفراد المجتمع، أو لدى أقلية ذات قضية خاصة.

مثلًا التعاطي مع قصية رأي عام أو مشكلة من خلال الطرح الوثائقي المسجل والمعد جيدًا، وليس -كما هو الحال- لدينا، فما نشاهده الآن مجرد برامج حوارية أو إخبارية تستضيف اثنين أو ثلاثة وتعرض تقريرًا واحدا من أجل تناول قضية عامة أو حدث في لحظته، وهذا النوع لا يصلح إلا للبرامج والنشرات الإخبارية المباشرة، وهو الأسلوب الذي يطغى على مناقشة جميع قضايا المجتمع عندنا، وهو لا بأس به وقت وقوع الحدث، ولكن هناك ما هو أبعد من ذلك، وهناك ما هو مثير ما بعد الخبر، وقبل المد وما بعد الجزر.

ولتقريب الصورة أكثر، مثلًا قضية “خاطفة الدمام” التي تناولتها القنوات بتقارير إخبارية قصيرة، أو استضافت محامين وشهود وأصحاب مصلحة للحديث عن القضية ضمن برامجها ونشراتها الإخبارية. فمثل هذه القضية قد تتناولها قناة مثل البي بي سي أو القناة الرابعة البريطانية تمامًا مثل تناول قنواتنا، ولكن الفرق أنه بالوقت نفسه هناك فريق آخر يملك الوقت الكافي للعمل على إعداد فيلم أو حلقة وثائقية تتناول القضية من بدايتها إلى نهايتها بشيء من التفصيل الذي لم تسمح به البرامج المباشرة لحظتها، مع تقديم معالجة مختلفة تماما عن الأخبار، وبعمق متخصص أكبر، وتقديم إجابات من زوايا مختلفة.

هذا مجرد مثال واحد عن قضية واحدة فقط شغلت المجتمع السعودي والخليجي في قوتها، ومن الأمثلة عمليات “البرنامج السعودي للتوائم الملتصقة” الذي يمتدّ لأكثر من 35 عاماً، وغطّى 27 دولة، ودرس 157 حالة من مختلف أنحاء العالم، وكذلك “أزمة كورونا” التي كان من الممكن إعداد حلقة وثائقية من جزء أو جزأين عن الجهود الصحية والإجراءات السعودية في مواجهة هذا الوباء، وتسليط الضوء على القصص والجنود المجهولين، واستعراض طريقة المواجهة يوما بيوم ومن الألف إلى الياء، طبعًا يُفترض أن التصوير يكون قد بدأ منذ اليوم الأول للجائحة.

وهناك قصص أخرى كثيرة بحاجة إلى المتابعة لمدة سنة أ وسنتين من أجل صناعة حلقة واحدة مثل كواليس استضافتنا لكأس العالم، كيف بدأت الفكرة وكيف خططنا وكيف فزنا، وكواليس برنامج ابتعاث آلاف الطلاب حول العالم، مثلا تصوير برنامج وثائقي عن مجموعة من الطلاب قبل ابتعاثهم وسؤالههم عن أحلاهم وتوقعاتهم، ومن ثم استمرار التسجيل خلال سنوات الدراسة وسؤالهم عن أحوالهم وعن البلدان التي يعيشون بها وعن تخصصاتهم، وينتهي البرنامج والتصوير بلقطات رميهم لقبعات التخرج، ومن الأمثلة الحية أيضا مبادرة السعودية الخضراء حيث يمكن التصوير على فترات متباعدة ومن ثم إنتاج حلقة وثائقية تغطي مجموعة سنوات وتبين الجهد الكبير خلف الكواليس.

بالتأكيد هناك عشرات القضايا، وعشرات القصص والأفكار التي تنتظر تحقيقًا استقصائيًا ومتابعة بأسلوب تلفزيون الواقع كما في الأمثلة بالأسفل، قضايا وقصص اجتماعية ورياضية وثقافية وإنسانية، وقصص الأعمال والوظائف أيضًا فهذا النوع له إثارة خاصة ومن واقع تجربة في بريطانيا، والأجمل في كل ذلك إمكانية تغطية جميع مناطق ونواحي المملكة الكبيرة، فهناك تراث وحكايات وتجارب لم تصلها القناة الأولى، أو SBC التي رفعت من سقف التوقعات بإعلاناتها وجعجعتها ثم هوت سريعا إلى القاع بسطحيتها وإنتاجها الرديء والضعيف، ولم نر شيئا من طحينها.

2- الصحافة الاستقصائية المتخصصة

محتوى الصحافة الاستقصائية وصحافة التحقق يعلب دورًا حيويًا في نجاح تلفزيون الواقع، وفي اكتساب جماهيرية واحترام من المشاهدين مع رفع نسب المشاهدة، وليس صحافة العلاقات العامة والبيانات الصحفية التي لا تقدم شيئا مهما، فمن البرامج الواقعية التي شاهدتها، برنامج التحقيقات المحلي Dispatches على القناة الرابعة البريطانية، الذي بدأ بثه عام 1987م ويحظى بجمهور واسع وحاز عدة جوائز، بسبب أسلوبه الصحفي الاستقصائي الذي ينبش في ما وراء الكواليس وأبعد من الصورة المعتادة، في القضايا العامة وخاصة التي تحقق وتكشف أخطاء وعيوبا أو احتيال وتلاعب المؤسسات أو الشركات أو المستشفيات والأندية الاجتماعية أو الرياضية، أو برنامج Unreported World “العالم السري” أو “عالم لا تعرفه” على القناة نفسها ولكنه يركز على الخارج، حيث يسافر صحفيو القناة إلى مواقع خطرة في جميع أنحاء العالم في محاولة لتسليط الضوء على القصص التي عادة ما تتجاهلها وسائل الإعلام العالمية.

فحتى مجموعة قنوات وإذاعات البي بي سي لديها برامج عدة تعتمد منهج الصحافة الاستقصائية في الإعداد والإنتاج، وقد حققت وما زالت تحقق تلك البرامج نسب مشاهدات عالية جدًا. مثلا برنامج Watchdog بمعنى “الحراسة أو المراقبة” الذي يبث منذ عام 1985م، ويحقق في مخاوف وشكايات المستهلكين ضد التجار والشركات والأسواق وخدمات العملاء، ويعمل على التحقق منها وعلى توعية المستهلك بحقوقه، وقريب منه برنامج Rogue Traders “التجار المارقين”. أو برنامج Food Inspectors “مفتشو الأغذية” الذي يحقق في الصحة والنظافة المحيطة المتعلقة بالغذاء والمطاعم في بريطانيا. وهناك برنامج يتتبع الفنادق، وآخر عن البحث عن الوظائف، الجدير بالذكر أنه حتى الإذاعة تهتم بمثل هذه البرامج وفق ما يناسبها ويناسب طريقة البث. برنامج “مفتشو الفنادق” الذي وصل إلى موسمه التاسع عشر هو ​​مسلسل تلفزيوني وثائقي يُبث على القناة الخامسة البريطانية، وشبكات أخرى حول العالم، وفي كل حلقة، تزور مقدمة البرنامج وهي سيدة أعمال وصاحبة سلسلة فنادق فندق بريطاني متعثر في محاولة للوقوف على حالته وإنقاذه عبر تقديم النصائح والاقتراحات لملاك الفندق واكتشاف العيوب والأخطاء في مجال إدارة الموظفين أو خدمات تنظيف الغرف أو التفتيش والصيانة، وكذلك تحليل البيانات لتحسين تجارب النزلاء، وإنقاذ الفندق.

ومن البرامج الواقعية المفيدة والمسلية، برامج الحدود والمطارات وأشهرها برامج من أوروبا وأميركا وأستراليا وإسبانيا، وقد نقلها إلى العربية عدد من القنوات الوثائقية العربية مثل قنوات الشرق الوثائقية وناشيونال جيوجرافيك، ويمكن إنتاجها بالتعاون مع إدارات الجمارك والمطارات والموانئ حيث يعد هذا النوع من البرامج مثيرا وشائقا يبحث في كواليس العمليات الأمنية في المعابر الحدودية البرية والبحرية والجوية مثل عمليات التفتيش والمواقف الحقيقية، كما يكشف البرنامج جهود موظفي الجمارك وحرس الحدود في ضبط تهريب الممنوعات مثل المخدرات والأسلحة وحتى الأشياء المسموح بها ولكن يتجنب المسافرون الإفصاح عنها للتهرب من الرسوم الجمركية.

مع العلم أن تناول بعض القصص والقضايا وإنتاجها للتلفزيون يتطلب النفس الطويل ويستغرق تسجيلًا ومتابعة مستمرة لأشهر عدة، وربما عام أو عامان حتى يكتمل المشهد وتكتمل القصة، فالعمل التلفزيوني قد يطول وقته ولكن يؤتي أكله، فهناك أفكار تلفزيونية مثيرة كثيرة ولكن تحتاج الوقت والصبر والمتابعة، فالأخبار تقتلها ثم تدفنها من خلال نسيانها، ولكن البرامج الواقعية الوثائقية تحييها مرة أخرى، وبأسلوب أكثر إثارة وأعمق معالجة.

3- مراسلون في كل مدينة

للتنقيب عن القصص الواقعية؛ التلفزيون بحاجة إلى تعيين مراسل ومصور تلفزيوني أو فريق متكامل ومتفرغ في كل منطقة سعودية قريبة أو بعيدة، فريق مدرب تدريبًا جيدًا يعمل بأسلوب وثائقي وليس إخباري على نقل قصص المنطقة وصوتها وتراثها وأعمالها ونجاحاتها وإخفاقاتها، إضافة إلى أخبارها اليومية، فمسألة خلق الوظائف الإعلامية وتأهيل المراسلين التلفزيونيين في كل نواح المملكة، يساعد في النهاية في تجويد صوتنا وقصتنا الداخلية بشكل صحيح، وليس مجرد الاعتماد على شركة من دبي أو بيروت أو لندن تزور المنطقة ليوم واحد لتصوير مقطع من دقيقتين أو خمس دقائق دون معرفة سابقة ودون معرفة حقيقة قصتنا وأبعادها غير المرئية، وقد بدأت قناة الإخبارية في تطبيق مثل هذا حيث صارت تبث مباشرة من كل منطقة حول المملكة، لكن الأهم هو ما بعد الخبر والقصة الخبرية الواقعية، وكيف يمكن تقديمها وثائقيًا، وليس مجرد نقل الخبر كل صباح ومساء كما هو هو عمل القناة حاليًا.

فبدلاً من إغراق المشاهد بأخبار وتقارير العلاقات العامة وتحليلات السوق والأسهم؛ من المهم تقديم تقارير استقصائية واقعية وتحليلات نوعية ومناقشة ملفات باستضافة خبراء ومفكرين، وتقليل النقل الحرفي للبيانات الرسمية والأخبار الحكومية، ما يجعل المشاهد يشعر بأنه جزء من القصة، إعلامنا المحلي مكرر وممل ويركز غالبًا على التغطية الاحتفالية وعلى المنجزات والإيجابيات، وهذا لا بأس لكن بشرط أن لا يكون هو الأساس في العمل الإعلامي، وهذا بسبب غياب الصحفي المتخصص القادر على طرح الأسئلة الصعبة وليس البحث عن إجابات معروفة، صحفي متمكن معرفيًا ونقديًا على اكتشاف المهم في الخبر والقصة. استبشرنا خيرا بالعدد الكبير لمراسلي قناة الإخبارية في كل مكان وفي المؤتمرات والمعارض، لكنهم محبوسين في الخبر الرسمي وفي المقابلات التقليدية التي لا تقدم شيئا للمشاهد، قنواتنا بحاجة إلى الصحفي المتخصص المتدرب تدريبا جيدا والمتسلح بالمعرفة والقانون،بحاجة إلى البرنامج الجرئ بعيداً عن البروباغندا وسيناريوهات الإطراء والمديح.

نعيش في فترات تحول كبرى على مستوى التنمية والاقتصاد والمجتمع والثقافة، لكن ليس هناك صوت يوازي حجم هذه التحولات ويناقشها بجراة وموضوعية ومهنية، فأصبحت البرامج ونشرات الأخبار نسخة طبق الأصل من محتوى وتصاميم الإنفوجرافيك في منصة إكس.

كان طموح أحد وزراء الإعلام السابقين تأسيس 13 قناة في 13 منطقة، وهذا مشروع محكوم عليه بالفشل حتى قبل دراسة الجدوى، لأن قنوات قليلة وبجميع الإمكانات والدعم الحكومي وعلى مدار عقود لم تنجح؛ فكيف بهذا الكم من القنوات. ولكن قد يكون نجاح قناة واحدة مثل الإخبارية تغطي كل المناطق وسيلة لقنوات أو إذاعات مناطقية أو متخصصة أخرى مستقبلا.

لنجاح مهمة الإعلام القيصرية يحتاج وزير الإعلام أو رئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون إلى مباضع مختلفة الأحجام والأشكال، ويجدر أن أقول إن ما يفكر به أي وزير وقد يحاول التركيز والعمل عليه بشكل أكبر هو إيصال صوتنا إلى الخارج وتسويق قصتنا وحقيقتنا خارجيًا بشكل صحيح وفعال، ولكن ذلك لن يساعده قبل القيام بتطوير المحتوى المحلي والارتقاء بصناعة الإعلام داخليًا، فإن إعلامنا لن يتطور خارجيًا قبل أن يتطور محليًا، وإن دفعت الملايين واستضفت الآلاف. فكل مجال مختلف، وأدوات مختلفة، وخبرات وعقول مختلفة، لكنها تتراكم بدءًا من المحلي وصولًا إلى الخارجي، وليس العكس.

ويبقى إصلاح وتطوير إعلام الداخلي هو العنصر الأكثر فعالية واستدامة لإصلاح الصورة والإعلام الموجه إلى الخارج، فلنبدأ من القرى البعيدة ولكن من قلب الواقع. تقول المخرجة السعودية هيفاء المنصور في حوار مع الشرق الأوسط «أثناء الكتابة لم أفكّر في جمهور محدد، ولا في المهرجانات، بل في قصة إنسانية داخل سياق مجتمعي محلي واضح»، لأنها ترى أن «الأعمال الصادقة محلياً هي الأكثر قابلية للفهم خارج حدودها»، فعلا الانطلاق من القصص المحلية يقودك حتما إلى جمهور أوسع خارجيا، جمهور يبحث عما هو واقعي ومختلف عنه، وليس شيئا مشوها أو شبيها له.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات