الرأي

كيف أعادت الرياضة العالمية تعريف العطاء المستدام؟

د. طلال المغربي

أكاديمي ومستشار في التسويق الاستراتيجي

لم تعد الرياضة الحديثة مجرد منافسة أو ترفيه جماهيري، بل تحولت خلال العقدين الأخيرين إلى منصة تأثير اجتماعي واقتصادي محلي وإقليمي وعالمي عميق. هذا التحول لم يكن عفويًا، بل نتج عن وعي متزايد لدى نخبة الرياضيين بأن الشهرة والثروة والرمزية الجماهيرية تمثل رأس مال يمكن توظيفها خارج حدود الملاعب. من هنا بدأ الانتقال من العطاء الفردي اللحظي (Charity) إلى الأثر المؤسسي المستدام (Institutional Sustainable Impact)، وهو انتقال تفسره نظريات علمية مثل Self-Determination Theory و Legacy Motivation Theory، حيث يبحث الإنسان مع نضج التجربة عن معنى أعمق وإرث يتجاوز الإنجاز الشخصي.

في الولايات المتحدة، تشكّل ما يمكن وصفه تحليليًا بـ American Institutional Impact Model أو مسار From Charity to Institutional Impact.

لاعب كرة السلة الأميركي ألونزو مورنينغ لم يتعامل مع العطاء بوصفه مبادرة خيرية ظرفية، بل بوصفه مشروعًا تنمويًا طويل الأمد. مشروع Astoria on the 9th الذي أطلقه في حي أوفرتاون بمدينة ميامي، وباستثمار تجاوز 37 مليون دولار، لم يكن مجرد مبنى سكني، بل نموذجًا متكاملًا لإعادة بناء مجتمع حضري مهمّش. المشروع وفّر 120 وحدة سكنية ميسّرة لكبار السن من ذوي الدخل المحدود، مع مرافق صحية، ومساحات اجتماعية، وبرامج دعم مجتمعي، وممرات خضراء، إضافة إلى خلق مئات الوظائف خلال مرحلة الإنشاء، وعشرات الوظائف الدائمة في الإدارة والخدمات والصيانة. هذا النموذج جسّد بوضوح الانتقال من التبرع إلى الاستثمار الاجتماعي، حيث يُقاس الأثر بكرامة العيش، واستدامة الخدمات، واستمرارية التأثير، لا بحجم التغطية الإعلامية، ضمن منطق قياس الأثر مثل Social Return on Investment (SROI).

المسار ذاته، وإن اختلف في الأدوات، تبعه دواين وايد عبر مشروع Wade World Towers الذي استهدف الأسر ذات الدخل المنخفض ضمن رؤية تتجاوز بناء وحدات سكنية إلى معالجة الإقصاء الحضري وتعزيز الاستقرار الاجتماعي وربط السكن بالخدمات وفرص العمل. أما النموذج الأكثر اكتمالًا، فجاء مع نجم ليكرز وابن مدينة أكرون في ولاية أوهايو ليبرون جيمس من خلال مدرسة I PROMISE في مدينة أكرون، التي لم تُصمم كمدرسة تقليدية، بل كمنظومة تمكين اجتماعي متكاملة توفر التعليم المجاني، والوجبات اليومية، والنقل، والدعم النفسي، والمتابعة الأكاديمية، إضافة إلى برامج مخصصة لأولياء الأمور، ومنح جامعية طويلة الأمد. وفي السياق ذاته، حوّل الأسطورة مايكل جوردان جزءًا من إرثه الرياضي إلى منظومة رعاية صحية مستدامة عبر شراكة مع Novant Health في مسقط رأسه في ولاية كارولينا الشمالية لإنشاء عيادات طبية تخدم غير المؤمن عليهم صحيًا، في معالجة مباشرة لفجوة هيكلية في النظام الصحي المحلي.

في أوروبا، يظهر ما يُعرف تحليليًا بـ Reputation-Driven Impact الذي تطور لدى بعض النجوم نحو Human Capital Investment. البرتغالي كريستيانو رونالدو لم يقتصر عطاؤه على دعم المستشفيات وتمويل العمليات الجراحية، بل امتد إلى برامج تعليمية ومنح جامعية ودعم بعثات أكاديمية، في توجه يعكس استثمارًا في رأس المال البشري. أما السويسري روجيه فيدرر فيمثل حالة أقرب إلى Institutional Impact in Education، حيث أُسست Roger Federer Foundation كنموذج طويل الأمد للتعليم المبكر في جنوب إفريقيا وسويسرا بالشراكة مع الحكومات، وبتمويل مستدام أقرب لنماذج الوقف التعليمي الحديثة. ويكمل ليونيل ميسي هذا المسار عبر مؤسسة ركزت على صحة وتعليم الأطفال ضمن أطر مؤسسية واضحة.

في إفريقيا، برز نموذج Community-Centric Development. السنغالي ساديو ماني حوّل قريته بامبالي إلى وحدة تنموية متكاملة شملت التعليم، الصحة، البنية التحتية، الأمن الغذائي، وفرص العمل، بينما ربط كاليدو كوليبالي بين الرياضة والواجب الإنساني عبر شراكاته مع منظمات دولية ومبادرات صحية مباشرة في بلاده.

ويقع بين هذين المسارين نموذج هجين يجمع بين الانتماء والالتزام طويل الأمد، كما يظهر في تجربة الألماني أنطونيو روديغير، الذي جعل من سيراليون، بلد والدته، محورًا متكررًا لعمله الإنساني عبر مؤسسته، من خلال دعم ذوي الإعاقة، وتمكين لاعبين شباب، والالتزام بتدخلات تعليمية وصحية ذات بعد مستدام.

هذا النوع من العطاء القائم على الحضور الشخصي وبناء الثقة المحلية يعكس نموذج Community-Centric Development with Identity-Driven Motivation، حيث لا تُختزل المسؤولية في التبرع، بل تُمارس كعلاقة مستمرة تمنح صاحبها دافعًا نفسيًا ومعنويًا يتجاوز مفهوم الإجازة أو العمل الموسمي. وهو ما تفسره نظرية التحديد الذاتي (Self-Determination Theory)، إذ يُنتج العطاء المرتبط بالهوية والانتماء دافعًا داخليًا يمنح صاحبه طاقة نفسية تتجاوز حدود الإنجاز المهني أو الترفيه المؤقت.

وفي النموذج العربي، يبرز مسار Place-Based Development المرتكز على الانتماء والقيم. المصري محمد صلاح حوّل قريته نجريج إلى وحدة تنموية متكاملة شملت مستشفى، مدرسة، مركز شباب، وبنية خدمية أساسية، فيما جسّد الجزائري رياض محرز نموذج العطاء الجماعي العابر للحدود من خلال مبادرات مثل Players Together، إلى جانب دعمه لمبادرات اجتماعية داخل الجزائر.

أما في بريطانيا، فقد قدّم ماركوس راشفورد نموذجًا مختلفًا للأثر، حين انتقل من المبادرات المجتمعية إلى التأثير المباشر في السياسات العامة، ونجح في دفع الحكومة البريطانية لاعتماد استمرار وجبات مدرسية مجانية للأطفال المحتاجين خلال توقف المدارس بسبب جائحة كورونا العالمية، ليؤكد أن الأثر الرياضي يمكن أن يصل إلى مستوى القرار العام.

هذه التحولات ترتبط بنظريات علمية وكما ذكرت أعلاه إلى أن الإنسان يبلغ أعلى درجات الرضا حين يرتبط عطاؤه بالمعنى، والاستمرارية، والشعور بالأثر. بينما تشرح نظرية (Legacy Motivation Theory) ميل القادة والرياضيين في مراحل متقدمة من مسيرتهم إلى البحث عن أثر يتجاوز الإنجاز الشخصي. ويعزز ذلك مفهوم العائد الاجتماعي على الاستثمار، الذي يحول العطاء من إحساس لحظي إلى قرار عقلاني طويل الأمد.

هذه التجارب العالمية لا تقدم وصفة واحدة، لكنها تكشف حقيقة مهمة: تحويل الشهرة إلى أثر مستدام لم يعد استثناءً، بل أصبح مسارًا متناميًا في الاقتصاد الرياضي العالمي. ويبقى السؤال مفتوحًا: إذا كان لكل مجتمع طريقته في تحويل القوة الرمزية للرياضة إلى منفعة عامة، فما النموذج الذي يمكن أن يعكس هوية المملكة العربية السعودية والمجتمع الخليجي، وعمقها القيمي، وطموحها التنموي ضمن الاقتصاد الرياضي؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات