القوة الناعمة: من تجارب الحضارات إلى سباق النفوذ في عالم اليوم
حجم الخط |
- A+
- A
- A-
يعود الفضل في صياغة مصطلح القوة الناعمة (Soft Power) إلى المفكر الأمريكي جوزيف ناي عام 1990م، حين طرحه في كتابه Bound to Lead. ثم قام بتطويره لاحقاً في كتابه الشهير Soft Power: The Means to Success in World Politics عام 2004م.
غير أن حداثة المصطلح لا تعني حداثة الفكرة؛ فالقوة الناعمة كانت حاضرة منذ العصور القديمة، حين استخدمت الحضارات الثقافة، الدين، اللغة، والفكر كوسائل للتأثير وبسط النفوذ، كما فعلت الحضارة اليونانية، والدولة الإسلامية، والصين الإمبراطورية.
منذ تلك اللحظة التاريخية، يتضح أن النفوذ لم يكن يوماً حكراً على السيف أو الجيوش. فالقوة الصلبة قد تفرض السيطرة، لكنها نادراً ما تصنع القبول أو الاستمرارية. أما القوة الناعمة، فهي التي تجعل الآخر يتبنى النموذج طواعية، ويقلّد القيم دون إكراه.
الحضارة اليونانية، على سبيل المثال، لم تحكم العالم عسكرياً، لكنها حكمته فكرياً. الفلسفة اليونانية، من أفلاطون إلى أرسطو، أصبحت الأساس الذي قامت عليه عقول العالم القديم، ثم انتقلت لاحقاً إلى الحضارة الأوروبية. اللغة اليونانية تحولت إلى لغة العلم والفكر، وحتى الإمبراطورية الرومانية، بكل قوتها العسكرية، وجدت نفسها خاضعة ثقافياً لليونان. هذا هو الانتصار الصامت الذي تحققه القوة الناعمة.
وفي التجربة الإسلامية، يتجلى نموذج أكثر شمولاً. فالدولة الإسلامية لم تتوسع بالسيف وحده، بل بالدين بوصفه رسالة عالمية، وباللغة العربية كلغة علم وإدارة وثقافة، وبالفكر الذي جمع بين العقل والنقل. أصبحت بغداد وقرطبة والقاهرة مراكز إشعاع حضاري، وجذبت غير المسلمين قبل المسلمين، ودخلت شعوب كثيرة الفضاء الإسلامي ثقافياً قبل أن تنخرط فيه سياسياً. ومن أبرز هذه القوى الذي ما يزال حيا” جامعة القرويين في مدينة فاس المغربية أقدم مؤسسة للتعليم العالي في العالم، حيث أسستها فاطمة الفهرية عام 859 م (245 هـ). أدرجتها اليونسكو وموسوعة غينيس للأرقام القياسية كأول جامعة تمنح درجات علمية، وتعد مركزاً علمياً وتاريخياً بارزاً تخرج منه علماء ومفكرون كبار، ولا تزال قائمة حتى اليوم.
وفي هذا السياق، قدّمت المملكة العربية السعودية نموذجًا لافتًا في إعادة توظيف القوة الناعمة؛ لا باختراعها من الصفر، بل بإعادة هندستها وتحديث أدواتها. السعودية امتلكت عناصر القوة الناعمة منذ نشأتها، لكنها لسنوات طويلة تعاملت معها كمعطى ثابت، لا كمشروع متحرك. التحول الحقيقي بدأ عندما انتقلت من مرحلة الامتلاك إلى مرحلة الاحتراف من خلال إعادة صياغة الخطاب الديني والانتقال من خطاب تقليدي إلى خطاب الاعتدال والوسطية، ومكافحة التطرف وإعادة تقديم السعودية كمرجعية دينية مسؤولة، تدرك حساسية الدين في عالم مضطرب، هذا التحول منح المملكة رصيدًا أخلاقيًا لا يقل أهمية عن رصيدها الديني.
.
تُظهر هذه التجارب، القديمة والحديثة، حقيقة واحدة لا تتغير: الدولة التي لا تملك قصة جذابة، لن تملك نفوذاً مستداماً. فالقوة الناعمة ليست بديلاً عن القوة الصلبة، لكنها ما يمنحها الشرعية، ويضمن لها القبول، ويطيل عمر تأثيرها.
وفي عالم تحكمه الصورة والرواية، لم يعد السؤال كم نملك من القوة، بل:
ما الذي نمثّله حين ينظر إلينا الآخرون؟
خاتمة
يقول أفرام نعوم تشومسكي الفيلسوف الأمريكي:
السيطرة الحقيقية لا تتم بالقوة العسكرية، بل بالتحكم في العقول.