الرأي

الوجاهة الرقمية إعلان أم إنجاز… حين يكون “الغلاف” لمن يدفع أكثر

د. طلال المغربي

أكاديمي ومستشار في التسويق الاستراتيجي

​بدأت الحكاية في لندن، خلال حديث مهني هادئ مع خبير بريطاني مختص في التسويق الشخصي (Personal Branding)، قضى عقوداً في صياغة الصورة الذهنية لقيادات تنفيذية وشركات دولية كبرى. كان النقاش في ظاهره يتمحور حول طرق بناء السمعة الرقمية، لكنه انتقل في حديثه إلى منطقة رمادية تثير الكثير من التساؤلات في واقعنا الراهن: لماذا أصبحت أغلفة “المجلات الرقمية” تظهر بهذه الكثافة المفاجئة في أوساطنا المهنية؟ ولماذا يصر الكثيرون على التعامل معها كاعترافات مهنية محايدة رغم وضوح طابعها التجاري؟ ابتسم الخبير وقال جملة اختصرت المشهد بكامله: “لأن الغلاف في هذه المنصات لم يعد نتيجة تقييم مهني أو استحقاق فعلي، بل أصبح مجرد منتج يُباع لمن يدفع ثمنه”.

​هذا الرأي يفتح الباب لفهم آليات عمل منظومة كاملة من المنصات الرقمية التي لا تُدار بعقلية الصحافة التقليدية، بل بوصفها “وكالات تسويق شخصي” تتخفى في رداء إعلامي. في هذا النموذج، يدفع الشخص مقابلاً مادياً للظهور، فيتولى فريق تقني وتجاري تصميم غلاف بصري جذاب يحاكي المجلات العالمية المرموقة، وتُصاغ له سيرة ذاتية بلغة تضخيميه مفرطة في التفاؤل بواسطة محررين محترفين، ثم يُنشر هذا المحتوى عبر منصات التواصل ليتكفل “بريق الشكل” بصناعة الانطباع الأول لدى الجمهور. هذه المنصات التي توحي مسمياتها البراقة بالريادة والإلهام، لا تعتمد في واقع الأمر على معايير مهنية مستقلة؛ فهي تفتقر في الغالب لسياسات اختيار واضحة، أو لجان تقييم تقارن بين الشخصيات، بل ينصبُّ تركيزها على تقديم صورة ذهنية إيجابية مطلقة بلا سياق واقعي أو مقارنة حقيقية بالأثر الفعلي على أرض الواقع. هي عملياً منصات “علاقات عامة” مغلّفة بإطار صحفي.

​وعند محاولة تفسير انتشار هذه الظاهرة، نجد أن “السوق لا ينفصل عن الثقافة” كما ذكر الخبير؛ ففي البيئات التي ترتفع فيها قيمة الوجاهة الاجتماعية، ويتصاعد فيها التنافس على الفرص والمكانة، يصبح “الظهور البصري” أداة بالغة التأثير. الغلاف هنا لا يُقرأ كمجرد مادة تعريفية، بل يُستقبل اجتماعيًا كعلامة “تقدير” أو “تكريم” ضمني، حتى دون أن يُصرح بذلك. ومع مرور الوقت، يتحول الجمهور والمحيط المهني، دون قصد، إلى شريك في تضخيم مبالغ فيه يخلط بوعي أو بدونه بين الإعلان التجاري والإنجاز المهني. هذا المسار، وإن كان مفهوماً من الناحية الاقتصادية في ظل ضخامة سوق الإعلان الرقمي العالمي، إلا أن إشكاليته الحقيقية تظل ثقافية وأخلاقية بامتياز؛ فالأزمة لا تكمن في حق الفرد في التسويق لنفسه، بل في تقديم هذا المحتوى المدفوع للناس بصفته تقييماً محايداً ومستقلاً، مما يربك المعايير ويشوه مفهوم “القدوة المهنية”.

​إن مواجهة هذا الخلل لا تتطلب منعاً أو محاربة لهذه المنصات، بل تتطلب رفع مستوى “الوعي المجتمعي” تجاه ما نستهلكه من محتوى إعلامي. فالتسويق الشخصي ممارسة مشروعة في كل دول العالم، لكن الفارق يكمن في قاعدة “الإفصاح” والشفافية؛ حيث تُفرض في البيئات الإعلامية المنظمة قواعد صارمة لتمييز المحتوى المدفوع عن المحتوى التحريري، ليس تقليلاً من شأن الشخص، بل احتراماً لعقل القارئ وحفاظاً على مصداقية السوق. الإشكال الحقيقي يبدأ عندما ننساق تلقائياً خلف التهاني والتبريكات أمام كل غلاف جديد، مما يفرغ مفهوم “الإنجاز” من مضمونه العميق ويحوله إلى مجرد “لقطة بصرية” عابرة. في نهاية المطاف، يبقى الإنجاز الحقيقي عصياً على التزييف، فهو لا يخشى الوضوح ولا يعتمد على بريق الأطر ليثبت وجوده، لأن قيمته تُستمد من الأثر الملموس والنتائج الواقعية، لا من عدد الألوان على غلاف مجلة رقمية.

​وربما هنا تبدأ القصة الحقيقية؛ لسنا بحاجة إلى منع الظهور، ولا إلى مهاجمة المنصات، ولا إلى التشكيك في الأشخاص، بل ما نحتاجه هو وعي مجتمعي أعلى: أن نهنئ بوعي لا بانسياق، وأن نفرّق بين التسويق المشروع والتقييم المحايد، وأن نحفظ للإنجاز الحقيقي مكانته بعيداً عن بريق الإطار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات