التذاكي… حين يتحوّل الذكاء إلى عبء
حجم الخط |
- A+
- A
- A-
يخلط بعض الناس بين الذكاء والتذاكي، مع أن المسافة بينهما أحيانًا أقصر مما نتصوّر، وأخطر مما نحبّ أن نعترف. فالذكاء قدرة على الفهم والتكيّف، أمّا التذاكي فهو ادّعاء هذه القدرة، أو المبالغة في استعراضها، غالبًا على حساب الحقيقة والمنطق والمصلحة العامة.
التذاكي لا يقوم على الفهم، بل على الرغبة في الظهور. صاحبه لا يسأل: ما الصواب؟ بل: كيف أبدو أذكى من غيري؟ وهنا تبدأ المشكلة.
التذاكي في الحياة اليومية
نراه في نقاشات عادية، حين يصرّ شخص على مخالفة البديهيات لا لشيء إلا ليبدو مختلفًا.
ونراه في العمل، حين يتعمّد موظف تعقيد الحلول البسيطة ليُشعر الآخرين أن ما يقوم به “لا يفهمه إلا هو”.بل نراه أحيانًا في العلاقات الاجتماعية، عندما يُمارَس الالتفاف على الوضوح باسم “الفهلوة” و“الشطارة”.
لكن التاريخ يخبرنا أن التذاكي، مهما بدا لامعًا في لحظته، غالبًا ما ينتهي بثمن باهظ.
نابليون بونابرت وحملة روسيا
كان نابليون قائدًا عبقريًا بلا شك، لكن ثقته المفرطة بذكائه قادته إلى واحدة من أكبر أخطائه.
ظنّ أن حساباته العسكرية كافية لترويض الجغرافيا والطقس والإرادة الشعبية الروسية. تجاهل تحذيرات الواقع، فدخل موسكو، وخرج بجيشٍ محطم. لم تكن الهزيمة نقصًا في الذكاء، بل إفراطًا في الثقة به.
الحجاج بن يوسف الثقفي والسيطرة بالقسوة
امتلك الحجاج دهاءً سياسيًا ولسانًا فصيحًا، لكنه اعتمد كثيرًا على التذاكي القائم على التخويف والاستعراض. نجح مؤقتًا في فرض الهيبة، لكن إرثه بقي مثقلًا بالكراهية، وأصبح مثالًا على أن الحيلة بلا حكمة لا تصنع استقرارًا طويل الأمد.
نيقولا مكيافيلي وسوء الفهم الشائع
كثيرون تذاكوا باسم مكيافيلي، متذرعين بعبارة “الغاية تبرر الوسيلة”، مع أن أفكاره أعمق من هذا التبسيط. التذاكي هنا لم يكن من مكيافيلي نفسه، بل من قرّاء استخدموا اسمه لتبرير المراوغة والخداع، فحوّلوا التحليل السياسي إلى ذريعة أخلاقية فارغة.
لماذا التذاكي مغرٍ؟
لأنه يعطي شعورًا سريعًا بالتفوّق.
ولأنه أسهل من الاعتراف بعدم المعرفة.
ولأنه يُكسب صاحبه انتباهًا لحظيًا، حتى لو خسر احترامًا طويل الأمد.
لكن المشكلة أن التذاكي لا يبني ثقة، ولا يصنع معرفة، ولا يحلّ أزمات. هو فقط يؤجّل الانكشاف.
الفرق الجوهري
الذكي الحقيقي:
• يبسّط ولا يعقّد
• يعترف حين لا يعلم
• يتعلّم أكثر مما يستعرض
أما المتذاكي:
• يراوغ
• يجادل ليكسب لا ليَفهم
• يخاف من السؤال لأنه قد يفضح جهل
خاتمة
يقول ألبرت أينشتاين ” الغرور في المعرفة أخطر من الجهل”، وسبقه سقراط حين قال “أعلم أنني لا أعلم شيئًا، وذلك يجعلني أحكم من غيري”، أما مارك توين فيقول “من الأفضل أن تبقى صامتًا ويظن الناس أنك أحمق، من أن تتكلم فتزيل كل شك”
التذاكي قد ينجح مرة أو مرتين، لكنه يفشل كنمط حياة. أما الذكاء الصادق، فهو هادئ، متواضع، ولا يحتاج أن يرفع صوته ليُثبت وجوده.
وفي عالم يزداد ضجيجًا بالآراء والادّعاءات، ربما أصبح أذكى أشكال الذكاء… هو ألا نتذاكى.
دمتم بخير