هل أختزلت قيمة الشركات في رقم واحد؟
حجم الخط |
- A+
- A
- A-
الاعتماد على مضاعف الربحية وحده في تسعير الاكتتابات قد يكون غير منصف، خصوصاً في القطاعات التي لا تزال تفتقر إلى العمق الكافي داخل السوق المالية السعودية.
في كل مرة يُطرح فيها اكتتاب جديد في السوق المالية، يتكرر المشهد ذاته. تتصدر أرقام مضاعف الربحية عناوين الصحف الاقتصادية، ويتسابق المحللون والمستثمرون إلى مقارنة الشركة المطروحة بمتوسط مضاعفات القطاع. فإذا كان مضاعف الربحية أقل من الشركات المماثلة اعتُبر الاكتتاب جذاباً، وإذا كان أعلى منها عُدّ مبالغاً في تسعيره. وبمرور الوقت، تحول هذا المؤشر من أداة تحليلية إلى ما يشبه الحكم النهائي على قيمة الشركات.
لكن السؤال الذي يستحق الطرح هو: هل يمكن فعلاً اختزال قيمة شركة قد تساوي مليارات الريالات في رقم واحد فقط؟
الحقيقة أن مضاعف الربحية (P/E Ratio) يعد من أشهر أدوات التقييم وأكثرها انتشاراً في الأسواق المالية حول العالم، ويرجع ذلك إلى بساطته وسهولة فهمه. فهو يقيس العلاقة بين قيمة الشركة السوقية وأرباحها السنوية، ما يسمح للمستثمر بإجراء مقارنات سريعة بين الشركات. غير أن سهولة استخدامه لا تعني بالضرورة دقته في جميع الحالات.
تكمن المشكلة الأولى في أن الأرباح نفسها ليست دائماً مؤشراً مستقراً أو كافياً للحكم على قيمة الشركة. فقد تحقق شركة أرباحاً مرتفعة في سنة معينة بسبب ظروف استثنائية أو ارتفاع مؤقت في أسعار السلع أو تسجيل مكاسب غير متكررة. وفي المقابل قد تكون شركة أخرى في مرحلة توسع واستثمار مكثف يحد من أرباحها الحالية، رغم امتلاكها فرص نمو كبيرة في المستقبل. وفي الحالتين، يصبح مضاعف الربحية انعكاساً للحاضر فقط، بينما يتجاهل جانباً مهماً من المستقبل.
كما أن هذا المؤشر يتجاهل هيكل التمويل. فقد تمتلك شركتان الأرباح نفسها، لكن إحداهما تعتمد على ديون مرتفعة بينما تتمتع الأخرى بميزانية قوية ومركز مالي متين. ورغم اختلاف مستوى المخاطر بينهما، قد يظهر مضاعف الربحية متشابهاً، ما يمنح المستثمر انطباعاً مضللاً عن حقيقة القيمة.
إلا أن الإشكالية الأكبر في السوق السعودية لا تتعلق بمضاعف الربحية نفسه، بل بالمرجع الذي تتم المقارنة معه. فالمؤشر يصبح أكثر فائدة عندما يكون القطاع الذي تنتمي إليه الشركة عميقاً ويضم عدداً كبيراً من الشركات المدرجة ذات الأنشطة المتشابهة. وهذا ما نجده نسبياً في قطاعات مثل البنوك والاتصالات والبتروكيماويات. أما في القطاعات الناشئة أو المتخصصة، فإن الصورة تختلف تماماً.
ففي بعض القطاعات الحديثة، قد لا يتجاوز عدد الشركات المدرجة أصابع اليد الواحدة. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل يمكن اعتبار متوسط مضاعف الربحية لثلاث أو أربع شركات مرجعاً عادلاً لتقييم شركة جديدة؟
الواقع أن الإجابة ليست بالضرورة نعم.
فعندما يكون القطاع محدود العمق، يصبح متوسط مضاعف الربحية عرضة للتشوه. فإذا ارتفع تقييم إحدى الشركات بشكل استثنائي نتيجة توقعات نمو مرتفعة أو مضاربات أو ندرة الفرص الاستثمارية في القطاع، فإن ذلك يرفع متوسط القطاع بأكمله. وعندما يتم استخدام هذا المتوسط لتسعير شركة جديدة، قد ينتقل هذا التضخم في التقييم إلى الاكتتاب الجديد دون أن يكون له ما يبرره من الناحية الاقتصادية.
بل إن المشكلة قد تكون أعمق من ذلك. فالشركات القليلة الموجودة داخل القطاع قد لا تكون متشابهة أصلاً. فقد تكون إحداها شركة برمجيات، والثانية منصة رقمية، والثالثة شركة خدمات تقنية، ورغم اختلاف نماذج أعمالها ومصادر دخلها ومعدلات نموها، يتم التعامل معها أحياناً وكأنها شركات متماثلة لمجرد أنها تنتمي إلى التصنيف القطاعي نفسه. وهنا تتحول المقارنة من أداة تساعد على اكتشاف القيمة إلى أداة قد تساهم في تشويهها.
لهذا السبب، فإن الأسواق المالية المتقدمة لا تعتمد على مضاعف الربحية وحده، ولا تكتفي بالمقارنة مع الشركات المحلية عندما يكون القطاع محدود العمق. بل تلجأ إلى مجموعة أوسع من أدوات التقييم والمقارنات الإقليمية والدولية.
ومن أبرز هذه الأدوات مضاعف قيمة المنشأة إلى الأرباح التشغيلية (EV/EBITDA) ، الذي يمنح صورة أشمل عن قيمة الشركة لأنه يأخذ في الاعتبار الديون والهيكل التمويلي، ويُعد اليوم المعيار الأكثر استخداماً لدى المؤسسات الاستثمارية العالمية في قطاعات الصناعة والطاقة والاتصالات والخدمات اللوجستية والرعاية الصحية.
كما تعتمد البنوك الاستثمارية على أسلوب التدفقات النقدية المخصومة (DCF) ، الذي يقوم على تقدير التدفقات النقدية المستقبلية للشركة وتحويلها إلى قيمة حالية. ورغم أن هذه الطريقة تعتمد على افتراضات وتوقعات، فإنها تجبر المستثمرين والإدارة على النظر إلى المستقبل بدلاً من الاكتفاء بأرباح سنة واحدة.
وفي بعض القطاعات توجد أدوات أكثر ملاءمة من مضاعف الربحية. فالبنوك تُقيّم عادة باستخدام مضاعف القيمة الدفترية والعائد على حقوق المساهمين، بينما تُقيّم الشركات العقارية بناءً على صافي قيمة أصولها، وتُقيّم شركات التقنية وفق الإيرادات ومعدلات النمو عندما لا تكون الأرباح مؤشراً كافياً على قيمتها الحقيقية.
ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه المستثمر عند قراءة أي نشرة اكتتاب لا يقتصر على معرفة مضاعف الربحية للشركة أو للقطاع، بل يمتد إلى سؤال أكثر أهمية: هل القطاع نفسه عميق بما يكفي ليكون مرجعاً موثوقاً للتقييم؟ وهل توجد شركات مماثلة بالفعل يمكن المقارنة معها؟ أم أن المقارنة تستند إلى عدد محدود من الشركات التي قد لا تعكس واقع النشاط الاقتصادي؟
إن بناء تقييم شركة بمليارات الريالات على متوسط قطاع يضم عدداً قليلاً من الشركات يشبه إلى حد كبير محاولة قياس مناخ دولة كاملة من خلال محطة طقس واحدة. قد يعطي مؤشراً أولياً، لكنه لا يكفي لاتخاذ قرار دقيق.
لذلك، فإن مستقبل تسعير الاكتتابات في السوق السعودية ينبغي ألا يعتمد على مضاعف الربحية وحده، بل على منظومة تقييم متكاملة تجمع بين مضاعفات الربحية، والتدفقات النقدية المخصومة، ومضاعفات القيمة التشغيلية، والمقارنات الإقليمية والدولية، إضافة إلى خصائص كل قطاع على حدة. فكلما تعددت أدوات القياس، اقتربنا من القيمة العادلة، وابتعدنا عن مخاطر المبالغة أو التقليل في التقييم.
وفي نهاية المطاف، القيمة الحقيقية للشركات أكبر من أن تُختزل في رقم واحد، وثقة المستثمرين أكبر من أن تُبنى على مؤشر واحد. وعندما ندرك هذه الحقيقة، يصبح تسعير الاكتتابات أكثر عدالة للشركات وأكثر حماية للمستثمرين وأكثر فائدة للاقتصاد ككل.