الرأي
بين الأرقام والاستنتاجات: قراءة نقدية لمقال …الرجال السعوديون يغرقون في الديون
حجم الخط |
- A+
- A
- A-
ليس من الصعب إثارة اهتمام القارئ بعنوان يقول إن “الرجال السعوديين يغرقون في الديون”. فالعناوين الحادة تجذب الانتباه، لكن الصحافة الاقتصادية الرصينة لا تُقاس بقوة عناوينها، بل بقدرتها على التمييز بين ما تقوله البيانات فعلاً، وما يرغب الكاتب في أن تقوله.
المقال الذي نشره موقع Semafor ينطلق من قضية تستحق النقاش؛ وهي الضغوط الاقتصادية التي تواجه الشباب السعودي في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها الاقتصاد والمجتمع. إلا أن المشكلة لا تكمن في السؤال، بل في المنهج الذي اتُّبع للإجابة عنه. فالمقال اعتمد على أرقام صحيحة، لكنه منحها دلالات لا تحتملها، وقفز من الارتباط الزمني بين الظواهر إلى استنتاجات سببية لا تدعمها الأدلة المنشورة.
وأبرز مثال على ذلك هو الاستناد إلى تصريح وزير العدل السعودي بأن محاكم التنفيذ استقبلت نحو 1.6 مليون طلب تنفيذ بقيمة تجاوزت 165 مليار ريال خلال عام 2025، ثم تقديم هذا الرقم باعتباره دليلاً على أن الرجال السعوديين يغرقون في الديون.
هذه قراءة لا تعكس ما تقوله البيانات الرسمية. فطلبات التنفيذ ليست مرادفًا للتعثر المالي للأفراد، ولا تمثل بالضرورة قروضًا استهلاكية متعثرة، بل تشمل طيفًا واسعًا من المطالبات، من العقود التجارية والإيجارات والأحكام القضائية والسندات التنفيذية إلى المنازعات بين الشركات والالتزامات المالية المختلفة. كما أن الرقم لا يحدد عدد المدينين الفعليين، ولا يميز بين الأفراد والشركات، ولا يبين جنس المدينين أو أعمارهم أو أوضاعهم الاجتماعية.
وبعبارة أخرى، فإن تحويل رقم إداري يعكس حجم أعمال منظومة التنفيذ إلى دليل على أزمة ديون تخص الرجال تحديدًا، يمثل استنتاجًا لا تدعمه البيانات الأصلية.
الأمر نفسه ينطبق على بيانات البنك المركزي السعودي. فمن الصحيح أن التمويل الاستهلاكي نما خلال السنوات الماضية، وأن أرصدة بطاقات الائتمان ارتفعت، لكن نمو الائتمان في اقتصاد يتوسع وينمو ليس بحد ذاته مؤشرًا على أزمة مالية. فالائتمان يرتفع عادة مع زيادة النشاط الاقتصادي، واتساع قاعدة الشمول المالي، وارتفاع مستويات الاستثمار والاستهلاك.
ولو كان الهدف إثبات وجود أزمة مديونية، لكان الأولى الاستناد إلى مؤشرات مثل معدلات التعثر، ونسبة خدمة الدين إلى الدخل، والقروض غير العاملة، ومستويات الدخل الحقيقي، لا الاكتفاء بحجم التمويل القائم.
الأكثر إشكالًا أن المقال يربط بين ارتفاع مشاركة المرأة في سوق العمل وبين زيادة مديونية الرجال، وكأن العلاقة بين الظاهرتين أصبحت حقيقة إحصائية.
لكن البيانات الرسمية لا تقول ذلك.
صحيح أن مشاركة المرأة السعودية في سوق العمل حققت تقدمًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة، وهو أحد أبرز مستهدفات رؤية المملكة 2030، إلا أن هذا النجاح لا يثبت أن الرجال فقدوا وظائفهم بسبب النساء، كما لا يثبت أن الرجال اضطروا إلى الاقتراض نتيجة لذلك.
فالاقتصاد ليس لعبة محصلتها صفر، بحيث تعني وظيفة حصلت عليها امرأة وظيفة خسرها رجل. رؤية 2030 قامت أساسًا على توسيع الاقتصاد، واستحداث قطاعات جديدة، وزيادة فرص العمل، ورفع مشاركة جميع الكفاءات الوطنية، وليس على إعادة توزيع عدد ثابت من الوظائف.
كما أن المقال يستخدم ارتفاع التمويل التعليمي باعتباره دليلًا على أن الرجال يقترضون لمنافسة النساء في سوق العمل. غير أن بيانات البنك المركزي تصنف القروض بحسب غرضها، ولا تكشف جنس المقترض أو دوافعه أو نتائج اقتراضه. وبالتالي فإن هذا الربط ليس نتيجة إحصائية، بل تفسير شخصي.
وفي الجانب القانوني، يطرح المقال مسألة تحمل الزوج مسؤولية النفقة، مع احتفاظ الزوجة بدخلها وأموالها، وهي قاعدة معروفة في نظام الأحوال الشخصية السعودي. ومن حق أي كاتب أن يناقش مدى ملاءمة هذه القاعدة لواقع الأسر ذات الدخلين، لكن ذلك يختلف تمامًا عن تحميلها مسؤولية ارتفاع المديونية أو انخفاض معدلات الزواج أو تراجع الإنجاب، من دون تقديم أدلة تثبت هذه العلاقة.
بل إن بعض الأرقام التي يستشهد بها المقال تثير تساؤلات حول منطقه الداخلي. فهو يشير إلى انخفاض قروض ترميم المساكن وقروض المركبات، وهما من أنواع التمويل المرتبطة تقليديًا بتأسيس الأسرة، ثم يستنتج في الوقت ذاته أن الرجال يقترضون أكثر لتكوين أسرهم. ولو كانت الفرضية صحيحة، لكان المتوقع أن ترتفع هذه القروض لا أن تتراجع.
ولا يعني هذا أن الشباب السعودي لا يواجه تحديات اقتصادية، أو أن تكاليف السكن والزواج لا تستحق المراجعة، أو أن التحولات الاجتماعية لا تستدعي نقاشًا تشريعيًا واقتصاديًا. على العكس، فهذه موضوعات تستحق دراسات معمقة وسياسات قائمة على الأدلة.
لكن الفارق كبير بين الدعوة إلى دراسة المشكلة، وبين الادعاء بأن البيانات أثبتت بالفعل وجود أزمة محددة وأوضحت أسبابها.
إن النقاش الاقتصادي الرصين يبدأ من احترام البيانات، لا من تطويعها لخدمة رواية جاهزة. فحين تُستخدم طلبات التنفيذ لإثبات أزمة ديون، وتُستخدم أرصدة التمويل لإثبات اليأس المالي، وتُستخدم بيانات توظيف المرأة لإثبات تراجع الرجل، فإن المشكلة لا تكون في الأرقام، بل في طريقة قراءتها.
وفي النهاية، فإن البيانات العامة ليست مجرد أرقام تُنتقى لتدعيم رأي مسبق، بل هي أساس لاتخاذ القرار وصياغة السياسات العامة. وكلما كانت القراءة أكثر دقة وموضوعية، كانت النقاشات أكثر نفعًا للمجتمع وصانع القرار.
فالخلاف الحقيقي ليس حول ما إذا كانت هناك تحديات اقتصادية تستحق المعالجة؛ فهذا أمر لا يختلف عليه اثنان. وإنما الخلاف حول ما إذا كانت البيانات الرسمية تثبت الرواية التي قدمها المقال.
والإجابة، من منظور مهني، هي أنها لا تفعل. فالبيانات تشير إلى تحولات اقتصادية واجتماعية مهمة، لكنها لا تثبت أن الرجال السعوديين يغرقون في الديون، ولا أن مشاركة المرأة في سوق العمل هي السبب في ذلك. وما بين الحقيقة الإحصائية والتفسير الصحفي، تبقى مسؤولية الكاتب أن يلتزم بما تقوله الأرقام، لا بما يرغب في أن تقول.

