ما تطلّبه الأمر لتفكيك أقوى شركة في العالم 

عبدالعزيز المطلق

 

قبل أيام، تلقيت من صديق كريم وثيقة لفتت انتباهي بشدة. كانت مقالًا للمؤرخ ويليام دالريمبل، نُشر مؤخرًا في صحيفة نيويورك تايمز بعنوان: )ما تطلّبه الأمر لتفكيك أقوى شركة في العالم (. والمقال، الذي يتناول تاريخ شركة الهند الشرقية، يتجاوز مجرد السرد التاريخي؛ فهو يطرح سؤالًا لا يزال حاضرًا اليوم: ماذا يحدث عندما تنمو الشركة إلى ما يتجاوز حدود النشاط التجاري، وتبدأ في اكتساب نفوذ وصلاحيات ترتبط عادةً بالدولة؟

بدأت شركة الهند الشرقية كمشروع تجاري، تأسس في لندن عام 1600، وحصل على احتكار للتجارة البريطانية شرق رأس الرجاء الصالح. وكان نشاطها الأصلي التجارة، بما في ذلك التوابل والمنسوجات الهندية. لكن ميثاقها منحها أيضًا صلاحية إنشاء المستعمرات وشن الحروب. وعلى مدى القرن ونصف القرن التاليين، تحولت من تاجر إلى جهة إدارية، وجامع للضرائب، وقوة عسكرية، وفاعل دبلوماسي. وبحلول القرن الثامن عشر، كانت تجمع الضرائب، وتدير القضاء والمحاكم، وتتفاوض على المعاهدات، وتشن الحروب. ووصل جيشها الخاص في نهاية المطاف إلى نحو 200 ألف رجل. وقد لخّص إدموند بيرك هذا التحول بعبارة شهيرة)دولة متخفية في هيئة تاجر(

ثم تحولت القوة الاقتصادية إلى قوة سياسية. أصبح مديرو الشركة ومساهموها مرتبطين بالبرلمان، واستُخدمت ثروتها للتأثير في التشريعات والقرارات السياسية. وفي عام 1772، تعرضت الشركة لأزمة مالية حادة، انهار معها سعر سهمها، واضطرت إلى طلب مساعدة الحكومة. فتدخل البرلمان وقدم لها 1.4 مليون جنيه إسترليني، ثم أقر قانون الشاي، جزئيًا لمساعدتها على تصريف فائض مخزونها. لكن ما صُمم لإنقاذ الشركة أسهم في أزمة سياسية أوسع، شملت تأسيس حزب الشاي في بوسطن وتدهور العلاقة بين بريطانيا ومستعمراتها الأمريكية.

وهنا يصبح الدرس أكبر من تاريخ شركة واحدة.

تُظهر شركة الهند الشرقية أن قوة الشركة لا تُقاس فقط بحجم ميزانيتها أو قيمتها السوقية. فقد تكون الشركة ذات قيمة هائلة من دون أن تكون ذات نفوذ سياسي كبير. وفي المقابل، قد تكون شركة أقل حجمًا لكنها تمتلك نفوذًا نظاميًا واسعًا إذا أصبحت الحكومات أو الشركات أو المجتمعات غير قادرة على العمل بسهولة من دون خدماتها.

لذلك فإن السؤال الأكثر أهمية هو:

ما الذي تستطيع الشركة التحكم فيه ولا يستطيع الآخرون استبداله بسهولة؟

ومن هنا يمكن النظر إلى قوة الشركات من خلال ستة أبعاد: الحجم الاقتصادي، والاعتماد عليها، والسيطرة على البنية التحتية الاستراتيجية، والنفوذ السياسي، واعتماد الدولة عليها، والتأثير في النتائج العامة.

الحجم الاقتصادي هو المؤشر الواضح: الإيرادات، والأصول، والقيمة السوقية، والحصة السوقية. لكن الاعتماد عليها قد يكون أكثر أهمية. فإذا كان الانتقال إلى منافسين آخرين سهلًا، تظل قوة الشركة محدودة. أما إذا أصبح الاستبدال صعبًا، فإن طبيعة العلاقة تتغير.

وتزداد أهمية ذلك عندما تسيطر الشركة على بنية تحتية استراتيجية، مثل الاتصالات، أو الحوسبة السحابية، أو أنظمة المدفوعات، أو الطاقة، أو أشباه الموصلات، أو الذكاء الاصطناعي. عندها قد يصبح نفوذها أكبر بكثير من حجمها المالي.

ثم يأتي النفوذ السياسي. ومشاركة الشركات في صياغة السياسات العامة ليست في حد ذاتها أمرًا غير مشروع؛ لكن الخطر يظهر عندما يصبح النفوذ واسعًا إلى درجة يبدأ معها النظام السياسي في التكيف مع الشركة بدلًا من الاكتفاء بتنظيمها.

أما الاختبار الأكثر أهمية فهو اعتماد الدولة عليها.

عندما تصبح الحكومة غير قادرة على العمل بسهولة من دون شركة معينة، تتغير العلاقة بصورة جوهرية. وهذا ما حدث مع شركة الهند الشرقية، التي أصبحت أهميتها للمالية العامة البريطانية تجعل مشكلاتها المالية مشكلة للدولة نفسها. لم تعد الحكومة تنظم الشركة فحسب، بل أصبحت مضطرة إلى التفكير في عواقب السماح لها بالفشل.

وهنا تبدأ معضلة )أهم من أن يُسمح لها بالفشل(.

ويصبح التنظيم أكثر تعقيدًا عندما تعتمد الدولة على الكيان الذي يفترض أن تنظمه.

ولهذا تستحق تجربة شركة الهند الشرقية التأمل اليوم.

سيكون من التبسيط القول إن شركات التكنولوجيا الحالية هي شركة الهند الشرقية الجديدة. فهي ليست كذلك، فالظروف السياسية والمؤسسية مختلفة جذريًا، ولا تمتلك هذه الشركات جيوشًا خاصة تغزو الأراضي.

لكن نمط تطور قوة الشركات يستحق الدراسة.

قد تبدأ الشركة بتقديم خدمة تجارية مفيدة. ثم تنجح، فتزداد حصتها السوقية. ومع زيادة الحصة ينمو الاعتماد عليها، ويتحول الاعتماد إلى أهمية استراتيجية، ثم إلى اعتماد حكومي، ومنه إلى أهمية سياسية. وعند نقطة معينة، قد تصبح قرارات الشركة مؤثرة في نتائج عامة تتجاوز مصالح مساهميها.

ونرى عناصر من هذا النقاش اليوم حول كبرى شركات التكنولوجيا والبنية التحتية. فبعضها يسيطر على منصات تعتمد عليها ملايين الشركات، وبعضها يوفر خدمات أساسية في الحوسبة السحابية، والاتصالات، والأقمار الصناعية، والذكاء الاصطناعي، أو مجالات مرتبطة بالدفاع. ويشير المقال، على سبيل المثال، إلى الدور الذي لعبته «ستارلينك» في أوكرانيا، وإلى تنامي العلاقات بين شركات التكنولوجيا الكبرى والحكومات والمؤسسات الدفاعية.

ولا يعني ذلك أن الحل هو تلقائيًا تفكيك الشركات الكبرى أو تأميمها أو منعها من النمو.

فالدرس أعمق من ذلك.

ينبغي للحكومات أن تسأل باستمرار: هل تتوسع قوة الشركات بوتيرة أسرع من تطور المساءلة المفروضة عليها؟

وينبغي لمجالس الإدارة أن تطرح السؤال نفسه.

فقد يكون للشركة الحق القانوني في اتخاذ قرار معين، لكن تزايد أهميتها النظامية قد يغيّر حجم الآثار المترتبة على ذلك القرار.

وفي نهاية المطاف، كان لا بد من إزالة الوظائف السيادية التي اكتسبتها شركة الهند الشرقية. ففي عام 1858، انتقلت ممتلكاتها في الهند إلى التاج البريطاني، ونُقل جيشها، وانتهى دورها في الحكم. واستمرت الشركة بصورة محدودة حتى عام 1874.

والتحذير التاريخي ليس أن الشركات خطرة بطبيعتها.

بل إن الشركات الناجحة قد تكتسب تدريجيًا سلطات لم تُصمم هياكل الحوكمة الأصلية للتعامل معها.

وهذا هو الدرس الأهم الذي خرجت به من الوثيقة التي أرسلها إليّ صديقي الكريم.

لا ينبغي أن نقيس قوة الشركات فقط بما تمتلكه، أو ما تكسبه، أو بما تساويه في السوق. بل ينبغي أن نسأل أيضًا: كم عدد الأشخاص الذين يعتمدون عليها؟ وما البنية التحتية التي تسيطر عليها؟ وما مدى صعوبة استبدالها؟ وما قدرتها على التأثير في السياسات العامة؟ وهل يمكن لقراراتها أن تؤثر في نتائج يفترض المجتمع عادةً أن تحددها الحكومات، لا الشركات؟

يخبرنا التاريخ أن طرح هذه الأسئلة مبكرًا يزيد من إمكانية معالجة المشكلة من خلال التنظيم. أما شركة الهند الشرقية، فتعلّمنا ما يحدث عندما تُطرح هذه الأسئلة بعد فوات الأوان.

وكما يخلص دالريمبل، نجحت بريطانيا في نهاية المطاف في إخضاع أقوى شركاتها للسيطرة، ولكن بعد عقود من التدخل، والأزمات المالية، والصراع السياسي، والمجاعة، وانتفاضة كبرى.

والدرس لعصرنا بسيط:

ينبغي تشجيع نجاح الشركات، وفهم قوة الشركات. ولكن عندما تصبح قوة الشركة ذات طابع نظامي، يجب أن تنمو المساءلة معها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات