كيف تُغري الدول خصومها وحلفاءها… قبل أن تدق المسامير؟
مطارق ومسامير
حجم الخط |
- A+
- A
- A-
في علم النفس، يصف المختصون أحد أكثر أساليب التلاعب النفسي خطورة بما يمكن تسميته مجازًا “المطرقة والمسمار”. يبدأ المتلاعب، وغالبًا ما يكون ذا شخصية نرجسية، بإغراق ضحيته بالاهتمام، والثناء، والدعم، وإشعارها بأنها موضع تقدير استثنائي. هذه هي “المطرقة” التي تُلين المشاعر وتبني الثقة وتخلق الاعتماد العاطفي. وما إن يترسخ هذا الاعتماد، حتى يبدأ في دق “المسامير”؛ نقدٌ مبطن، أو إهانة خفيفة، أو تجاهل متعمد، يعقبه اعتذار أو تبرير يعيد شيئًا من الدفء، قبل أن تتكرر الدورة من جديد. ومع مرور الوقت، تصبح الإهانات أعمق، بينما تتضاءل جرعات الاهتمام، فتجد الضحية نفسها تسعى لاستعادة ما فقدته، بدلاً من التساؤل عن سبب فقدانه أصلًا.
قد يبدو هذا السلوك محصورًا في العلاقات الإنسانية، لكنه في الحقيقة يجد ما يشبهه في السياسة الدولية. فالدول، كما الأفراد، قد تستخدم الإغراء قبل الضغط، والاحتواء قبل الابتزاز، والوعد قبل التهديد. هنا تتحول الدبلوماسية إلى لعبة “مطارق ومسامير”، حيث تُستخدم الحوافز لبناء الاعتماد، ثم تُستغل لحظة الاعتماد نفسها لفرض تنازلات أو إعادة تشكيل سلوك الطرف الآخر.
ولعل الولايات المتحدة تمثل أحد أبرز الأمثلة على هذا النهج في علاقاتها الدولية. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لم تعتمد واشنطن القوة العسكرية وحدها، بل بدأت غالبًا بـ”المطرقة”: مساعدات اقتصادية، وضمانات أمنية، واتفاقيات تجارة، وشراكات استراتيجية. وما إن تصبح الدولة جزءًا من هذه المنظومة، حتى تظهر “المسامير” عند اختلاف المصالح: عقوبات اقتصادية، أو قيود على نقل التكنولوجيا، أو ضغوط سياسية، أو حتى التلويح بتقليص المظلة الأمنية. حدث ذلك بدرجات متفاوتة مع تركيا، وباكستان، ومصر، وعدد من الحلفاء الأوروبيين، حيث امتزج الدعم بالضغط، والتطمين بالتذكير الدائم بكلفة الخروج عن المسار.
أما الصين، فقد طورت نسخة مختلفة من النظرية. فـ”المطرقة” الصينية ليست عسكرية، بل اقتصادية بامتياز. تبدأ بقروض ميسرة، ومشروعات بنية تحتية، واستثمارات ضخمة، وربط الاقتصادات المحلية بمبادرة الحزام والطريق. لكن عندما تتعارض سياسات بعض الدول مع المصالح الصينية، تبدأ “المسامير” بالظهور: قيود تجارية، أو تجميد استثمارات، أو استخدام النفوذ الاقتصادي وسيلة لإعادة الحسابات السياسية. وبينما تنفي بكين أن تكون هذه سياسة ممنهجة، يرى كثير من الباحثين أن النفوذ الاقتصادي أصبح أحد أهم أدواتها الدبلوماسية.
وروسيا بدورها مارست هذا الأسلوب، خصوصًا في فضائها السوفيتي السابق. فقد قدمت لعدد من جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق أسعارًا تفضيلية للطاقة، وتسهيلات تجارية، وضمانات أمنية، لكنها لم تتردد في استخدام الغاز أو التجارة أو الوجود العسكري كأوراق ضغط عندما اتجهت بعض هذه الدول نحو الغرب. في هذه الحالة، كانت “المطرقة” هي الاعتماد الاقتصادي، بينما جاءت “المسامير” على شكل إمدادات غاز متقطعة، أو قيود تجارية، أو ضغوط أمنية.
وإذا كان الغرب والشرق قد استخدما هذه الاستراتيجية على مستوى الدول، فإن إيران مارستها بصورة مختلفة في الإقليم العربي. فمنذ عام 1979، رفعت شعارات دعم المستضعفين، ونصرة القضايا العربية، ومقاومة إسرائيل، وهي رسائل مثلت “المطرقة” التي جذبت قطاعات واسعة من الرأي العام العربي، وفتحت لها أبواب النفوذ في عدد من الدول. لكن مع مرور الوقت، تحول هذا النفوذ، في نظر كثير من خصومها، إلى “مسامير” تمثلت في دعم جماعات مسلحة خارج إطار الدولة، والتدخل في التوازنات السياسية الداخلية، وتحويل بعض الساحات العربية إلى ميادين صراع إقليمي، كما حدث بدرجات متفاوتة في العراق وسوريا ولبنان واليمن. ومن هنا جاء إصرار دول الخليج على أن سياسة الاحتواء لم تكن مشروعًا عدائيًا، بل وسيلة دفاعية لحماية أمنها وسيادة الدول العربية من تمدد رأت أنه تجاوز حدود العلاقات الطبيعية بين الدول.
حتى الاتحاد الأوروبي، الذي يقدم نفسه بوصفه قوة ناعمة، لم يخلُ من هذا الأسلوب. فإغراءات الانضمام إلى الاتحاد أو الحصول على مزايا السوق الأوروبية كانت دائمًا “المطرقة”، بينما تحولت معايير الانضمام، أو تعليق بعض الامتيازات، أو استخدام ملفات حقوق الإنسان وسيادة القانون، إلى “مسامير” عندما تبتعد بعض الحكومات عن المسار الذي يريده الاتحاد.
لكن من المهم التمييز بين النفوذ المشروع والتلاعب السياسي. فكل دولة تستخدم الحوافز والضغوط في سياستها الخارجية، وهذا جزء طبيعي من العلاقات الدولية. غير أن “نظرية المطرقة والمسمار” تبدأ عندما لا يصبح الهدف بناء علاقة متوازنة، بل خلق حالة اعتماد نفسي أو اقتصادي أو أمني، ثم استغلال هذا الاعتماد لفرض الإرادة السياسية. هنا لا يعود الحافز وسيلة للتعاون، بل يصبح مقدمة للسيطرة.
والتاريخ يعلمنا أن الشعوب والدول التي تعتاد العيش تحت وقع “المطارق” قد لا تلاحظ صوت “المسامير” إلا بعد أن تصبح جزءًا من الجدار. فالاعتماد الذي يبدأ بمساعدة قد ينتهي بتبعية، والتحالف الذي يولد من المصالح قد يتحول إلى قيد إذا فقد أحد الطرفين قدرته على اتخاذ قرار مستقل.
في النهاية، لا تُقاس براعة السياسة بعدد المرات التي تستطيع فيها الدولة أن تضرب بالمطرقة أو تدق المسمار، بل بقدرتها على بناء شراكات لا تحتاج أصلًا إلى هذه الأدوات. فالعلاقات التي تقوم على المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل تدوم، أما العلاقات التي تُبنى على الإغراء ثم الابتزاز، فقد تحقق مكاسب مؤقتة، لكنها تزرع في الذاكرة السياسية مسامير يصعب اقتلاعها، مهما تعددت المطارق.
