حين تعجز اللغة… تتكلم القلوب
حجم الخط |
- A+
- A
- A-
كان يقف على الجانب الآخر من الرصيف رجلٌ هنديٌ طاعنٌ في السن ، يتكئ على عصا في يده اليمنى ، ويبدو كأنه يريد عبور الشارع إلى الجهة الأخرى . كنت أتابعه من داخل محل الخضار المقابل ، فخرجت مسرعاً لمساعدته . وعندما حاولت الإمساك بيده رفض بإصرار. تحدثت معه بالإنجليزية فلم يفهم ، ثم استخدمت لهجتنا المعتادة مع العمالة الهندية : «صديق، أنت يبغى يروح هناك ؟» فلم يتجاوب. ومع ذلك انتظرت دقائق خوفاً عليه من أي مكروه ، وحين لم أتمكن من مساعدته أو التفاهم معه عدت إلى المحل ، مع استمرار مراقبته .
بعد دقائق وصل أحد أقاربه – أظنه ابنه – فأمسك به . وقبل أن يتحركا ، اقتربت منه لأخبره بما حاولت فعله . ابتسم الشاب وقال : ” كنت تريد مساعدته؟ ” قلت : نعم ، لكنه لم يتجاوب معي. فقال مبتسماً : ” أنتم أيها السعوديون لا مثيل لكم “.
حتى في الهند لا يساعد أحدٌ أحداً مهما كان وضعه ، بينما هنا هذه هي المرة الثالثة خلال أسبوع التي يتكرر فيها هذا المشهد مع والدي . استغربت وسألته عمّا يقصد . قال : استخرجنا له تأشيرة زيارة ، ووصل قبل أسبوعين . وبحكم ظروف عملي أنا وزوجتي لا نستطيع البقاء معه صباحاً ، وشقتنا قريبة من هذا الشارع الحيوي ، فشرحنا له كيف يخرج ويجلس قليلًا يراقب المارة . لكن طيبتكم جعلت كل من يراه يظن أنه بحاجة للمساعدة ، فحاولوا مساعدته مراراً ، وهو لا يعرف العربية ولا الإنجليزية ، فكان يرفض ، لا لأنه لا يحتاج ، بل لأنه لا يفهم ما يُقال له .
شعرت حينها بفرحٍ مختلف … فرحٍ لا يصنعه موقف عابر، بل تصنعه صورة مجتمع كامل . حمدت الله أن في هذا الوطن قلوباً تبادر قبل أن تُطلب ، وتمد يدها قبل أن تُنادى . هنا لا تُقاس الطيبة بموقف ، بل بثقافة مجتمع . حفظ الله وطننا وقيادتنا وشعبنا . ولكم تحياتي