الوداع ليس لحظة … بل بداية وجع

محمد البكر

الوداع – في تقديري – ليس مجرد لحظة عابرة ، بل امتحان ثقيل للقلب . هو تلك اللحظة التي يتعرّى فيها الإنسان من كل قوته ، ويقف عاجزاً أمام مشاعره ، لا يملك إلا نظرة أخيرة ، أو كلمة متعثرة ، أو صمتاً يقول كل شيء .

الوداع قاسٍ لأنه لا يُقاس بطول الزمن ، بل بعمق العلاقة . قد يكون وداع دقائق ، لكنه يترك في الروح أثر سنوات . هو لحظة تختلط فيها الذكريات بالحضور، والحنين بالواقع ، فيدرك الإنسان فجأة أن بعض الأشياء لا تعوّض ، وأن بعض الأشخاص لا يُستبدلون .

والأقسى من الوداع نفسه ، هو ما بعده … حين تعود للأماكن فتجدها ناقصة ، وللأيام فتشعر بثقلها ، وللنفس فتكتشف أن جزءاً منها قد رحل ولم يعد ، أو ربما لن يعد . ومع ذلك ، يبقى الوداع جزءاً من سنّة الحياة ، نكرهه ، نعم … لكننا نتعلم منه أن نحب بصدق ، وأن نحافظ على من نملك قبل أن تأتي لحظة لا ينفع فيها إلا الذكرى .

ربما تسألون أنفسكم بعد قراءة هذا المقال : لماذا أكتب بهذا الأسلوب الحزين المحبط ، بينما معظم ما أكتبه هو عن الأمل والتفاؤل والفرح !؟ . سؤال أراه منطقياً ، لكن كما يقال إذا عُرف السبب بطل العجب .

قبل أسبوع ، كنت في المقبرة لزيارة أمي وأخي – رحمهما الله – ، وصادف وجود عدة جنائز : رجلين ، وامرأة ، وطفل . بعد الدفن ، شاهدت مشاهد لا تُنسى … حزنٌ صادق ، ودموعٌ لا تُجامل ، ووجوهٌ تُدرك فجأة أن الوداع ليس كلمة تُقال ، بل قدر يُعاش . حينها أيقنت أن الوداع هو أقسى ما يمر على الإنسان… لأنه لا يمنحنا فرصة التراجع، ولا يترك لنا إلا الذكرى .
لا تؤجلوا مشاعركم … لا تؤجلوا كلماتكم … ولا تؤجلوا حضوركم في حياة من تحبون . فبعض الوداع يأتي بلا موعد، ولا يترك خلفه إلا حسرة السؤال : لماذا لم نفعل أكثر… ونحن نستطيع؟

حفظكم الله ومن تحبون… ولكم تحياتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات