يا قارع الأبواب

محمد البكر

جلس أمام استراحته الأسبوعية كعادته ، لكنه هذه المرة لم يكن يراقب موج البحر بقدر ما كان يراقب ذاكرته. أدار نظره في بيوت جيرانه ، فإذا بكل بيت يفتح في داخله باباً من الحنين . هذا البيت كان يسكنه جار عزيز توفي، رحمه الله ، وذاك باعه صاحبه وانتقل إلى مكان أبعد ، وثالث كان لامرأة طيبة تركت منزلها دون أن تبيعه ، بعدما وجدت نفسها وحيدة ، لا أنيس لها فيه ولا صوت يبدد صمته .

كادت دموعه أن تنهمر، وهو يستعيد زمناً كان فيه الجيران أشبه بعائلة واحدة . لم تكن العلاقة بينهم مجرد سلام عابر عند الأبواب ، ولا مجاملة تنتهي بانتهاء المناسبة ، بل كانت حياة مشتركة .
في المساء يبعث له أحدهم ” نغصة” من طعام بيته ، ويأتي آخر حاملاً قهوته، ليجلسوا جميعاً أمام البحر ،
لا يحتاج إلى دعوة ولا موعد ولا تكلف .

كانت الأحاديث بسيطة ، لكنها دافئة . وكانت الضحكات تملأ المكان ، وكأن الشارع كله بيت واحد، وأهله أسرة لا تفرقها الجدران .
تساءل في داخله : هل كانت تلك العاطفة الجياشة نعمة عشناها ، أم أنها تحولت اليوم إلى ألم موجع بعد الفراق ؟ هل نحن من تغيرنا ، أم أن الأيام هي التي أخذت معها ملامح ذلك الزمن الجميل؟

أمضى دقائق معدودة في صمته ، لكنها بدت له كأنها ساعات طويلة . كان يتأمل البيوت الواقفة في أماكنها ، ويدرك أن الجدران تبقى ، لكن الوجوه التي منحتها الحياة قد غابت ، والإبتسامات قد رحلت .

” قصة حقيقية “

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات