الواسطة تتلاشى

محمد البكر

حين تتداخل الإجراءات ، وتغيب الشفافية ، ويطول الطريق أمام المواطن، يبحث البعض عن – طريق مختصر- ، لا حباً فيه … بل هروباً من التعقيد . هذه ليست ملاحظة عابرة ، بل واقع عايشناه طويلاً ، وكتبت عنه قبل سنوات في هذه الزاوية ، حين أشرت إلى أن الواسطة ليست سوى نتيجة طبيعية لتعقيد الإجراءات .

اليوم ، ونحن نرى المملكة تتصدر دول العالم وتحقق المركز الأول عالمياً في مؤشر الجاهزية الرقمية الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات ، الذي يعكس قدرة الدولة على إدارة خدماتها رقمياً بكفاءة . لا نتحدث عن تقدم تقني فحسب ، بل عن تحول عميق في فلسفة تقديم الخدمة . إنجاز لم يأتِ من فراغ ، بل من عمل متراكم جعل من الشفافية ، وسرعة الإجراء ، ووضوح الخطوات ، قاعدة لا استثناء .

قلت يومها إن الحل لا يكون بمطاردة الواسطة ، بل بتجفيف منبعها . واليوم ، نرى كيف يمكن للنظام حين يكون واضحاً ، ومتاحاً ، وعادلاً ، أن يؤدي هذه المهمة بهدوء وكفاءة . حين تدخل إلى منصة رقمية ، لا أحد يسألك من أنت ، ولا ماذا تمثل ، بل ما هو طلبك . النظام لا يعرف الأسماء ، بل يتعامل مع البيانات . الإجراء واضح ، والخطوات محددة ، والنتيجة مرتبطة بمدخلات دقيقة ، لا بعلاقات شخصية .

هنا ، تضيق المساحة التي كانت تتحرك فيها الواسطة . ليس لأنها اختفت تماماً ، بل لأن الحاجة إليها تراجعت . فحين يصبح النظام سريعاً ، عادلاً ، ومتاحاً للجميع ، تفقد الواسطة مبرر وجودها . التحول الرقمي لم يأتِ ليُسهّل الخدمة فقط ، بل ليُعيد تعريفها . لم يعد الهدف إنجاز المعاملة ، بل إنجازها بعدالة وشفافية .

لهذا ، فإن القضاء على الواسطة لا يبدأ من مواجهتها ، بل من بناء نظام لا يحتاجها . وحين يتحقق ذلك ، تختفي بهدوء … دون ضجيج . ولكم تحياتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات