فخ النيتروجين… أم فخ المبالغة؟ قراءة في سردية “الأزمة الغذائية القادمة”
حجم الخط |
- A+
- A
- A-
في مقاله “The Nitrogen Trap”، يطرح الكاتب والمحلل الاقتصادي شانكا انسلم بيريا قراءة تحذيرية حول هشاشة النظام الغذائي العالمي، مركزًا على دور الأسمدة النيتروجينية وسلاسل إمدادها في ظل التوترات الجيوسياسية. يُعرف بيريرا بكتاباته التي تربط بين الاقتصاد الكلي والجغرافيا السياسية، مع تركيز خاص على سلاسل الإمداد العالمية وتأثير الأزمات عليها.
في خضم التصعيد الإقليمي، يبرز طرح “فخ النيتروجين” بوصفه تحذيرًا من أزمة غذاء عالمية وشيكة، تُصوَّر كأثر غير مباشر للحرب. الفكرة جذابة: تعطّل الإمدادات، نقص أسمدة، انخفاض إنتاج، اضطراب عالمي. لكن جاذبية السردية لا تعني دقتها. والقراءة المتأنية تكشف أن هذا الطرح، رغم أهميته، يقع في تضخيم الخطر وتبسيط ديناميات نظام عالمي أكثر مرونة مما يُصوَّر.
أولًا: الخلط بين الهشاشة والاعتماد
لا خلاف على أن الأسمدة النيتروجينية عنصر حاسم في الزراعة الحديثة، وأن الغاز الطبيعي مدخل رئيسي لإنتاجها. لكن القفز من هذه الحقيقة إلى استنتاج أن أي اضطراب إقليمي سيُحدث صدمة غذائية عالمية، يتجاهل فارقًا مهمًا بين الاعتماد والهشاشة المطلقة.
سوق الأسمدة عالمي ومتعدد المصادر، ويشمل منتجين كبارًا خارج الخليج، مع قدرات تصدير وتخزين متفاوتة. صحيح أن بعض الممرات البحرية حيوية، لكن النظام لا يقوم على مسار واحد فقط. التاريخ الحديث يُظهر أن سلاسل الإمداد تتعطّل… لكنها تعيد التشكّل عبر مسارات بديلة، ولو بكلفة أعلى.
ثانيًا: الزمن البيولوجي ليس قدرًا حتميًا
أحد أعمدة الطرح هو ما يُسمّى “الزمن البيولوجي” — أي أن الزراعة لا تنتظر، وأن فقدان نافذة التسميد يعني خسارة لا يمكن تعويضها. هذا صحيح جزئيًا، لكنه يُقدَّم بوصفه قانونًا صارمًا، بينما الواقع الزراعي أكثر مرونة:
• يمكن إعادة جدولة دورات الزراعة في بعض المحاصيل والمناخات
• يمكن استبدال أنواع أسمدة أو تعديل معدلات الاستخدام
• يمكن تعويض جزء من الإنتاج عبر مناطق لم تتأثر بالاضطراب
الخسارة واردة، لكن الانقطاع الشامل ليس النتيجة الحتمية التي توحي بها السردية.
ثالثًا: تجاهل آليات التكيّف السوقي
الطرح يفترض انتقالًا شبه مباشر من تعطل الإمدادات إلى نقص الغذاء. لكنه يقلّل من دور آليات التكيّف:
• الأسعار: ارتفاعها يدفع المنتجين لزيادة العرض، ويحفّز المزارعين على تحسين الكفاءة
• التخزين والمخزون: لدى بعض الدول احتياطيات من الحبوب أو القدرة على التدخل
• السياسات العامة: دعم الأسمدة، إعفاءات مؤقتة، وتسهيلات لوجستية لتسريع البدائل
هذه الآليات لا تُلغي الألم الاقتصادي، لكنها تمنع الانهيار السريع الذي تفترضه الرواية.
رابعًا: التعميم المفرط عبر الجغرافيا
حتى لو وقع اضطراب ملموس في الإمدادات، فإن أثره لن يكون متجانسًا. بعض الدول أكثر تعرضًا من غيرها. مناطق إنتاج كبرى قد لا تتأثر بالقدر نفسه، فيما تتأثر دول تعتمد على الاستيراد بشكل أكبر.
بعبارة أخرى، نحن أمام مخاطر غير متكافئة، لا “أزمة عالمية موحّدة” تضرب الجميع بنفس القوة والتوقيت.
خامسا: قراءة أدق للوضع الإقليمي
ربط أي تصعيد في الخليج مباشرةً بأزمة غذاء عالمية يتجاهل أن الأطراف الإقليمية — رغم التوتر — تدرك كلفة تعطيل الممرات الحيوية. كما أن المجتمع الدولي يمتلك حوافز قوية للحفاظ على انسياب التجارة، خصوصًا في السلع الأساسية.
التصعيد قد يرفع المخاطر ويزيد الكلفة، لكنه لا يعني تلقائيًا انقطاعًا كاملاً طويل الأمد.
الخلاصة
“فخ النيتروجين” ينجح في تسليط الضوء على نقطة ضعف حقيقية في النظام العالمي: الترابط العميق بين الطاقة والغذاء. لكنه يخطئ حين يحوّل هذه الحقيقة إلى سيناريو انهيار شبه حتمي.
العالم ليس محصنًا، لكنه أيضًا ليس هشًا إلى هذا الحد.
سلاسل الإمداد قد تتعثر، لكنها تتكيّف.
الأسعار قد ترتفع، لكنها تعيد التوازن.
الخطر موجود، نعم، لكنه ليس بالضرورة الكارثة الوشيكة التي تُرسم ملامحها في الخطاب المتشائم.
وبين التحذير المشروع والمبالغة، تبقى القراءة الأدق هي تلك التي ترى نظامًا عالميًا مضغوطًا… لا منهارًا.