لقمة الصكّة حلوة
حجم الخط |
- A+
- A
- A-
في سواليف الأيام الماضية ، تحدثت عن الحارة ، عن جلساتها . لكن للحارة وجه آخر . وجه أكثر هدوءاً ، وأعمق أثراً … وجه الصحون المتبادلة بين البيوت في ذاك الزمن الطيب الجميل .فلم تكن البيوت مغلقة على نفسها . كانت الأبواب تُطرق قبل الأذان بقليل ، أو بعده بدقائق . طبق يخرج من هذا البيت ، ويدخل بيتاً آخر، ليعود ممتلئاً في اليوم التالي بشيء مختلف . دورة بسيطة … لكنها كانت تصنع معنى كبيراً .
الأم — رحم الله من رحل منهن — تُعد أفضل ما عندها . تعب من بعد العصر، وتفنن في التفاصيل . نجلس على السفرة ونمدح طبخها . لكن ما إن يصل طبق من الجيران ، حتى تتغير الأولويات . نفتح الغطاء بفضول طفولي ، ونتسابق على من يتذوق قبل الآخر . مع أن الصنف نفسه قد يكون موجوداً أمامنا وربما أطيب . فتقول أمي يرحمها الله كما تقول كل الأمهات ” لقمة الصكة حلوة ” . والصكّة لمن لا يعرفها ، تعني الشارع… أي اللقمة التي تأتي من خارج البيت . كنا نضحك ، ولا نفهم تمامًا معنى الجملة . اليوم فقط أدركنا أن السر لم يكن في الطعم ، بل في الإحساس .
الطبق الذي يأتي من الجار لا يحمل طعاماً فقط ، بل يحمل اهتماماً . يقول لك بصمت : نحن نراكم … ونشارككم … ورمضان بيننا واحد . لم يكن أحد يحسب الكمية ، ولا يقارن الجودة . كانت البركة في المشاركة نفسها .
كانت الصحون المتبادلة تربط البيوت ببعضها في هدوء . شبكة غير مرئية من المودة تمتد من مطبخ إلى مطبخ ، ومن قلب إلى قلب . اليوم تغيّر الشكل ، وكثرت الخيارات ، لكن قلّت الصحون التي تدور بين البيوت . وربما لهذا نفتقد شيئاً لا نعرف اسمه بدقة .
” لقمة الصكة حلوة ” . لأنها كانت تذكّرنا أن الحارة ليست جدراناً صامتة ، بل قلوباً متجاورة . ولكم تحياتي