الرأي

الرياضة السعودية ضحية الإعلام القاصر ورؤساء الأندية المشوهين

حبيب عبدالله

صحفي، عمل سابقا في الوطن، الشرق الأوسط، وصحيفة الوفاق الإلكترونية، ومجلة المجلة، ومجلة الفيصل.

الدوري الإنجليزي لكرة القدم هو الأغلى عالمياً بل الأكثر مشاهدة على مستوى العالم، وحسب الإحصائيات فعدد متابعيه وصل إلى مليار ونصف المليار، منهم 615 مليون شخص لهم أنديتهم المفضلة في الدوري الإنجليزي ويتابعونه باستمرار ويدفعون اشتراكاتهم السنوية، وعدد مرات المشاهدة وصلت خلال دوري العام الماضي إلى أكثر من أربعة مليارات و700 مليون، ناهيك عن الشغف والاهتمام الكبيرين من قبل الجمهور داخل بريطانيا.. الغريب أنه بالرغم من هذا كله لم تطلق مجموعة قنوات البي بي سي قناة رياضية واحدة من أجل المشاركة في أرباح هذا السوق وهذا الشغف الجماهيري، سواء قناة متخصصة تغطي كرة القدم والرياضات الشعبية الكثيرة الأخرى بالرغم من امتلاك البي بي سي لعشرات القنوات والإذاعات في بريطانيا وحول العالم.

بريطانيا من الدول القليلة جداً بالعالم التي تهتم بجميع الرياضات تقريباً، فمن مشاركتها في جميع الألعاب الأولمبية وحصولها على الميداليات الذهبية باستمرار، إلى منافستها عالمياً في رياضات لا توجد في دول أخرى مثل الكريكيت والرغبي والفروسية والتنس وامتلاكها لبطولات سنوية في هذه الرياضات.. وهذا هو الأمر الغريب فعلاً بعدم وجود قناة رياضية في قنوات البي بي سي ذات الشعبية الإعلامية العظيمة في بريطانيا.

إلا أن البي بي سي لديها ما هو أكثر أهمية وأكبر شعبية مما لدى القنوات الرياضية التجارية الأخرى في بريطانيا، لديها برنامج أسبوعي واحد يأتي مساء كل سبت وأحد ويغطي جميع مباريات كرة القدم بشكل أسبوعي ويحظى بمشاهدة كبيرة جداً داخل بريطانيا، وقد بدأ البرنامج عام 1964م وحتى هذا اليوم… وأيضاً أستغرب عدم وجود أكثر من برنامج رياضي في ظل هذه الشعبية الطاغية لكرة القدم.. بل هو برنامج واحد وبشكل أسبوعي فقط.. فما السر في ذلك؟

 

خلال خمس سنوات لمشاهدتي هذا البرنامج الرائع، لم أشاهد مقابلة واحدة مع رئيس نادٍ إنجليزي أو أي مسؤول آخر كالموظفين أو المسؤولين الإعلاميين بالنادي، فجميع المقابلات تكون فقط مع المدربين واللاعبين وأحياناً الجمهور، فلم أقرأ أو أسمع أي تصريح لأي رئيس نادٍ إلا مرات قليلة في الصحف المحلية وحول مسائل إدارية فقط وليس لاعبين أو مباريات أو تحكيم، أعرف أن هذا أمر لا يمكن تصديقه ولكنه هو الواقع الإنجليزي!

والغريب أيضاً وخلال خمس سنوات لمشاهدتي هذا البرنامج الرياضي، لم أشاهد وجهاً لأي مراسل تلفزيوني في الملعب أثناء مقابلة المدربين واللاعبين، بل قليلاً جداً أسمع أسئلتهم، فجميع مقابلات المدربين تكون بدون عرض سؤال المراسل أو وجهه؛ لأن السؤال معروف وهو رأي المدرب بالمباراة وسبب الخسارة أو الفوز، لذلك تبدأ المقابلة مباشرة لحديث المدرب للكاميرا حول أسباب الفوز أو الخسارة ويعلق أحياناً حول أداء الحكم بدون طعن في النية أو قذفه.. تعرض أحياناً أسئلة المراسل عند مقابلة اللاعبين وتكون مختصرة في جملة قصيرة جداً.

ساعة ونصف الساعة هي مدة البرنامح الأسبوعي يستطيع من خلالها عرض جميع مباريات وأهداف الأسبوع ولقاءات جانبية مع جميع المدربين وبعض اللاعبين اللامعين وحديث حول آخر الأحطاء التحكيمية وصفقات الانتقال، ساعة ونصف الساعة كافية لتغطية أفضل دوري كرة قدم بالعالم بكل تفاصيله.. فما السر في ذلك؟

يعرض البرنامج لقطات كثيرة لكل مباراة على حدة، إضافة إلى كل الأهداف وتحليلها مع المحللين في الأستديو بدون صراخ أو جدال ولا خروج عن النص ولا مهرجان للمزايدات، وغالباً كل ضيف يحلل كل مباراة واحدة على حدة، ولا يتطلب الأمر أن يجيب جميع الضيوف على السؤال نفسه، وإلا لم يستطع البرنامج من إكمال أي شيء، بل لكل ضيف سؤاله الخاص به حتى يتمكن البرنامج من تغطية جميع الأسئلة والمحاور، وقد يسأل المقدم ضيفين السؤال نفسه إن كان مهماً، فيجيب أحدهما بأنه لا يضيف شيئاً على ما قاله الضيف الآخر، وإن أضاف في دقيقة أو نصف دقيقة… أيضاً هذا يصعب تصديقه، ولكنه الإعداد والإخراج الإنجليزي!

استطاع البرنامج ولعقود كسب الملايين من المشاهدين داخل بريطانيا واستطاع أيضاً عرض وتحليل كل شيء في ساعة و 25 دقيقة فقط، السر يكمن في الإعداد المهني والمحترف والابتعاد عن الضيوف المملين والمنظرين وغير القادرين على الاختصار والإيجاز، والتركيز على المعلومة الصحيحة والأكيدة فقط والحوار بلغة الأرقام وليس الولاء والتضليل، وعدم الخوض والسؤال في كل شيء، وعدم تركيز البرنامج على كل قضية بل هناك صحافة يوم الاثنين تكمل التحليل وتفرد الصفحات لحوارات وتحليلات مطولة واحترافية، السر يكمن في عدم وجود اتصالات مع أعضاء شرف أو رؤساء أندية أو إعلاميين متعصبين لأنديتهم، لأنهم لا يضيفون للرياضة سوى التعصب والصراخ ويضيعون وقت المشاهد والبرنامج، ولكن من يستحق الحديث يحضر إلى الأستديو ويلتزم بقواعد البرنامج من أجل كسب الملايين من المشاهدين في ساعة ونصف الساعة فقط ثم تركهم يرتاحون وينتظرون البرنامج حتى الأسبوع المقبل..

من أسرار شعبية البرنامج وقدرته على الإلمام بكل شيء في وقت قصير هو عدم سماع ومشاهدة أسئلة ووجوه المراسلين على أرض الملعب، لأنهم غير مهمين وأسئلتهم يوجهها مقدم البرنامج للمحللين بالأستديو، فكل ما على المراسل هو جمع آراء المدربين واللاعبين حول المباراة بدون الخوض في الخصوصيات والنوايا والمشاكل بين اللاعبين، بل هذا يترك للصحافة غالباً.

فمثلاً قضية الخلاف حول شارة الكابتن في المنتخب الإنجليزي ناقشها البرنامج الأسبوعي بعشر دقائق فقط لا أكثر، من يستحقها ومن المؤهل لارتدائها ومن المتوقع أن يحصل عليها، لماذا هذه القضية مثلاً تأخذ أياماً وساعات في إعلامنا الرياضي من أجل نقاشها؟

مثل هذا البرنامج الرياضي في بريطانيا هو باختصار ما يحتاجه الإعلام الرياضي السعودي، فهو ليس بحاجة إلى جميع هذه القنوات الرياضية بقدر حاجته إلى إعلاميين واعين محترفين وغير متعصبين، وحاجته إلى التركيز على المهم وترك الهوامش وعدم الخوض في النوايا والخصوصيات، الإعلام الرياضي السعودي لن تفيده كل هذه البرنامج الرياضية اليومية والأسبوعية بقدر استفادته من برنامج رياضي واحد واقعي معد جيداً باحتراف وبإيجاز.

ومما زاد من معضلة الإعلام الرياضي السعودي هم رؤساء الأندية وبعض تجار العقار والأثرياء وأصحاب الشركات الذين يستطيعون رفع لاعب وإسقاط عشرة آخرين بسبب ميلوهم وأموالهم … تصرف الرواتب بحسب مزاج ومواعيد شرهات هؤلاء الرؤساء والأعضاء الذين يتأخرون في صرف مستحقات اللاعبين بدون حساب أو عقاب.. لا يستطيع النادي المضي قدماً بدون وجودهم.. رؤساء الأندية وأعضاء شرف متخلفون يصرحون في كل وقت وفي كل قناة وجريدة وموقع.

إعلام رياضي يقتات على رؤساء الأندية وهؤلاء الأثرياء وعلى الأصوات العالية، وتتسابق قنواته وبرامجه وصفحاته الرياضية على استضافتهم من أجل تحليل المباريات وإشعال الحروب الإعلامية والطعن في النوايا وتأجيج الصراع بين الجماهير والمتابعين واللاعبين أيضاً.. يوجه الرأي العام الرياضي في كل اتجاه خاطئ ومحتقن.

أعتفد أن رؤساء الأندية هم مشكلة الإعلام الرياضي السعودي إضافة إلى بعض المتطفلين على هذا الإعلام الذين وجدوا أفواهاً كبيرة وذمماً واسعة يقتاتون عليها ومن خلالها، مقدمون ومراسلون يتحدثون أكثر من ضيوفهم ويعطون آراءهم بوجود أصحاب الرأي، ورؤساء أندية يتسابقون على الكاميرات ويوجدون في الملعب بينما أماكنهم مع الجمهور أو في المنصات بعيداً عن اللاعبين والكاميرات.

في الدوري الإنجليزي لا يقدر أي إعلامي على الحديث مع اللاعبين إلا مع واحد أو اثنين أو لا أحد أحياناً.. ولدينا بعض الإعلاميين يستطيع الوصول لجميع اللاعبين وإجراء المقابلات مع مَنْ يشاء بناءً على رغبة الرئيس.. إضافة إلى التحقيق معهم أحياناً ومثل هذه التحقيقات تعدُّ عاملاً كبيراً في التأثير على نفسية اللاعب وتجبره دائماً على التفكير في مثل هذه المقابلات الإعلامية التي لا تضيف شيئاً حقيقياً.

إعلاميون يتسابقون على أعضاء الشرف ورؤساء الأندية من أجل صب مزيد من الزيت على النار، البعض يصبح من خاصة الخاصة مادام يعمل في إطار توجهات أعضاء الشرف ورؤساء الأندية.

وفوق هذا كله إعلام متخصص فقط في كرة القدم، ويغيب عن جميع الرياضات الأخرى، لا يوجد صحفي سعودي متخصص في أي رياضة غير كرة القدم حتى قُتلت جميع الرياضات الأخرى فلا دعاية لها ولا اهتمام شعبي بها ولا تحقيقات عن نتائجها ومشاكلها واحتياجاتها ومبانيها وترتيبها إقليمياً ودولياً.

إعلام أشرك المجتمع في صراعات الصحفيين والكتاب الرياضيين غير المبالين لقيم الإعلام وأمانة الكلمة، فكل صحفي وكاتب يتبع نادياً معيناً بل في كرة القدم فقط وليس غيرها، ضيوف وكتاب رياضيون ومقدمون ومراسلون يتجادلون ويتصارعون ويتهمون بعضهم بعضاً ويتقاذفون الأخطاء والألفاظ غير اللائقة وكأنهم في شوارع أو استراحات بل إنك لتجد من الاحترام والترتيب في الاستراحات أكثر مما هو موجود في أستديوهات برامج الرياضة… لذا لا أستغرب من خسارة المنتخب في بطولة الخليج فهي مجرد نتيجة واحدة من نتائج كثيرة لهذا الإعلام القاصر والمشوه.

بالرغم من عدم إلمامي وتخصصي بالإعلام الرياضي، إلا أنني أردت طرح هذه المقارنة بين برنامج رياضي واحد قادر عل صنع الفارق والارتقاء باللعبة وذائقة وعقلية المشاهد، وبين عدة قنوات متخصصة وبرامج رياضية يومية كثيرة لا تستطيع وبكل طاقاتها الإعلامية من الارتقاء بعقول مشاهديها ولا من الوصول إلى محصلة يومية للحدث الرياضي ناهيك عن الأسبوعي.

وأريد أن أطرح هذا السؤال الأخير: لماذا اكتفى ملايين المشاهدين البريطانيين مخترعي الكرة العالمية وعاشقيها ببرنامج رياضي أسبوعي واحد فقط بالرغم من شهرة الدوري الإنجليزي وأهميته ومتعة مشاهدته، ولم يكتفِ من هم أقل منهم عدداً في السعودية بهذا الكم الهائل من القنوات والبرامج الرياضية اليومية بالرغم من دوري غير ممتع ومباريات مملة وكأنه دوري عارضي أزياء أحياناً؟

ببساطة السبب يكمن في الإعلامي ورئيس النادي، لذ لا بد من إعطاء الكلمة والمجال للإعلامي الواعي المحترف والمتخصص بدءاً من مدير القناة إلى المُعد والمقدم والمراسل، وكذلك الابتعاد عن رؤساء الأندية المشوهين وعدم استضافتهم.

قبل يومين احتفل الدوري الإنجليزي بمرور 150 سنة على انطلاقته الأولى، فهل ننتظر قرن آخر لنصل لمرحلة جيدة من الوعي والتخصص.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات