إن الأهل قد رحلوا
حجم الخط |
- A+
- A
- A-
قلت لها : هل تموت البيوت بموت أصحابها؟ . سؤالي كان فجاً ومفاجئاً . لحظات ثم قالت : ما هذا السؤال المؤلم ونحن في هذا الصباح الباكر؟ بالفعل لم يكن الوقت مناسباً لطرح سؤال يحمل معه ذكريات الحزن والفراق . لكن لأننا مررنا في تلك اللحظة بأحد البيوت التي كنا نعرف أصحابها . كان البيت في زمانه لا يخلو من الداخلين والخارجين . أسرة كبيرة سعيدة تعيش في بيت كبير وأنيق . الأبناء والبنات والأحفاد يجتمعون فيه ، إن لم يكن كل مساء ، فبالتأكيد لا يتركون زيارة والديهم في نهاية الأسبوع .
كبر الوالدان ، وانتقل الوالد إلى رحمة الله ، ولحقت به الوالدة بعد عدة أشهر.
كان الأبناء والبنات حريصين على الالتقاء نهاية كل أسبوع في البيت نفسه الذي ولدوا وتربوا وعاشوا فيه ، قبل أن ينتقلوا إلى منازل مستقلة .
بعد سنة واحدة من وفاة الوالدين ، تحول اللقاء من أسبوعي إلى شهري ، فقلّ الحماس وكثرت الارتباطات ، لينتهي في آخر المطاف إلى إغلاق أبوابه ، حتى تحول إلى منزل موحش مهجور . أعرف أن مبررات ما حدث كثيرة ومقنعة ، ولا تحتاج إلى توضيح أو سرد، لكنها بالتأكيد مؤلمة لأصحابها .
قالت لي : الأصح أن تقول إن البيوت تفقد الروح التي كانت تمنحها الحياة . تفقد النبض الذي تحتاجه القلوب . فالبيت ليس جدراناً وأبواباً وأثاثاً ، بل هو إحساس ومشاعر وذكريات تتزاحم لحظة دخولك إلى ذلك البيت . حتى رائحة القهوة التي كنت ترتشفها غير القهوة التي تشربها في ذات المكان .
باختصار، والحديث لها : أسألك ، هل كنت تحب البيت نفسه ، جدرانه وألوانه وأثاثه ، أم كنت تحب من كان يعيش فيه ويملؤه حباً وحناناً وفرحاً !؟ . إجابتك ستكون هي الإجابة على سؤالك عند بداية النقاش – هل تموت البيوت بموت أصحابها !؟ – .
ترى .. كم بيتٍ بقي واقفاً بجدرانه وأبوابه ، لكنه فقد روحه التي كانت تمنحه الحياة !! .

