التسويق الزراعي … الحلقة المفقودة

في مقال الأمس تحدثت عن المفارقة التي تتكرر كل موسم : مزارع يبيع محصوله بخسارة ، ومستهلك يشتريه بسعر مرتفع . وقلت إن المشكلة لا تبدو في الإنتاج ، بل فيما يحدث بعد الحصاد .

واليوم أطرح سؤالاً آخر : من يدير مرحلة ما بعد الزراعة؟ فالمزارع بطبيعته منتج ، وليس مطلوباً منه أن يكون في الوقت نفسه خبيراً في قراءة السوق ، أو التنبؤ بالطلب ، أو التسويق ، أو النقل ، أو توزيع المنتجات بين مناطق المملكة .

ولهذا أعتقد أننا بحاجة إلى جهة متخصصة تتولى هذه المهمة . ليس مهماً إن كانت شركة وطنية ، أو هيئة مستقلة ، أو تطويراً لجهة قائمة ، فالمهم أن تكون هناك مظلة واحدة تنظر إلى القطاع الزراعي بمنظور متكامل .

جهة تدرس احتياجات السوق قبل موسم الزراعة ، وتقدم للمزارعين مؤشرات واضحة عن المحاصيل المطلوبة والكميات المناسبة ، حتى لا نتفاجأ كل عام بتكدس منتج واحد وانهيار أسعاره ، مقابل نقص منتج آخر وارتفاع ثمنه . ثم تتولى هذه الجهة تنسيق تسويق المحاصيل ، وتنظيم نقلها بين المناطق ، وفتح قنوات بيع مباشرة مع أسواق الجملة والمتاجر الكبرى والمصانع ، بما يقلل عدد الوسطاء ، ويحفظ للمزارع حقه ، ويمنح المستهلك سعراً أكثر عدالة .

لسنا بحاجة إلى زيادة الإنتاج في كل موسم ، بقدر حاجتنا إلى إدارة الإنتاج بكفاءة . فالمنتج الزراعي لا تنتهي رحلته عند خروجه من المزرعة ، بل تبدأ هناك رحلة أخرى لا تقل أهمية.

لقد نجحت المملكة في بناء قطاع زراعي متطور ، وربما حان الوقت لأن تبني ، بالقدر نفسه من الطموح ، منظومة متكاملة لإدارة ما بعد الحصاد . فحينها لن يكون المزارع مضطراً لبيع ثمرة تعبه بخسارة ، ولن يشعر المستهلك بأنه يدفع أكثر مما ينبغي .

فنجاح الزراعة لا يُقاس بما تنتجه الأرض فقط ، بل بما يصل إلى الناس من خيرها ، بعدالة وكفاءة واستدامة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات