المناجرة.. نقاش لا يريد أن ينتهي
حجم الخط |
- A+
- A
- A-
في بعض المجالس لا يبدأ الخلاف لأن القضية تستحق، بل لأن شخصين قررا ـ من حيث لا يشعران ـ أن يدخلا في سباق طويل حول من يملك الكلمة الأخيرة. يبدأ الحديث بسيطًا، وربما عابرًا، ثم يتحول فجأة إلى أخذ ورد، واعتراض ورد على الاعتراض، حتى ينسى الجالسان أصل الموضوع، ويبقى كل واحد منهما متمسكًا بموقعه وكأنه يدافع عن قضية مصيرية.
هذه هي “المناجرة” كما أفهمها؛ نقاش لا يبحث عن حقيقة، ولا يريد أن يصل إلى نتيجة، بل يدور حول نفسه حتى يتعب أصحابه ومن حولهم.
والطريف أنك قلّما تجد مجلسًا أو مجموعة أصدقاء تخلو من اثنين أو ثلاثة من هذه النوعية. أناس حاضرون دائمًا عند أول جملة قابلة للاعتراض، يلتقطون الكلمة كما يلتقط الصياد فريسته، ثم تبدأ المناورة الكلامية التي يعرف الجميع بدايتها ولا ينتظرون لها نهاية.
وللمناجرة وجه طريف أحيانًا، خصوصًا بين الأصدقاء الذين يعرفون حدود المزاح، ويملكون من الألفة ما يجعل خلافهم عابرًا لا يترك أثرًا. قد تكون نوعًا من التسلية، أو ملحًا خفيفًا في مجلس لا يراد له أن يكون جادًا طوال الوقت.
لكن مشكلتها أنها لا تبقى دائمًا في حدود الطرافة. فقد تتحول إلى عادة ثقيلة، وإلى استنزاف للوقت والمزاج، وربما إلى كسر خفي في خاطر صديق لم يكن يريد إلا حديثًا هادئًا. وأسوأ ما فيها أنها تجعل الإنسان ينتصر لصوته لا لفكرته، ويدافع عن كرامته لا عن رأيه.
ولو أن كل واحد منا عرف متى يتوقف، ومتى يبتسم، ومتى يقول لصاحبه: “قد تكون على حق”، لانتهت كثير من المناجرات قبل أن تبدأ. فليست كل معركة تستحق أن نخوضها، وليست كل كلمة تحتاج إلى كلمة بعده
