خطأ المؤسسات في التواصل مع الجمهور
حجم الخط |
- A+
- A
- A-
في اعتقادي إن أكبر خطأ ترتكبه بعض المؤسسات في التواصل مع جمهورها ليس ضعف الإعلام، ولا محدودية الميزانية، ولا حتى قلة المنصات الإعلامية. الخطأ الحقيقي يبدأ عندما تتعامل المؤسسة مع التواصل باعتباره مهمة إعلامية، بينما هو في جوهره قرار إداري واستراتيجي.
كثير من المؤسسات تتحدث أكثر مما تستمع، وتنشغل بصناعة الرسائل قبل أن تفهم ما الذي يشغل جمهورها أصلًا. فتجد عشرات الحملات والمبادرات والتصريحات، لكنها لا تحقق الأثر المتوقع، لأن المؤسسة ركزت على ما تريد قوله، وأهملت ما يحتاج الجمهور إلى سماعه ويلبي حاجته وتطلعاته.
المشكلة لا تكمن في نقص المحتوى، بل في غياب الفهم العميق للجمهور. فكل رسالة لا تنطلق من احتياجات الجمهور وتوقعاته ومخاوفه، تتحول إلى حديث أحادي الاتجاه مهما كانت جودة إنتاجها أو حجم الإنفاق عليها. الأخطر من ذلك أن بعض المؤسسات تقيس نجاحها بعدد الأخبار المنشورة أو أرقام المشاهدات أو عدد تصاميم الإنفوجرافيك، بينما المؤشر الحقيقي للنجاح هو مستوى الثقة ورضا الجمهور. فالجمهور قد يشاهد رسائلك، لكنه لا يصدقها. وقد يقرأ أخبارك، لكنه لا يتفاعل معها. وقد يعرفك، لكنه لا يثق بك.
الثقة لا تُبنى بالبيانات الصحفية وحدها، ولا بالحملات الإعلامية الموسمية، بل تُبنى عندما تتطابق الرسائل مع الواقع، وعندما تلتزم المؤسسة بما تعلنه، وعندما يشعر الجمهور أن صوته مسموع وأن ملاحظاته تؤخذ على محمل الجد. ومن هنا أرى أن الحل لا يكمن في زيادة الإنفاق على التواصل، بل في إعادة تعريف دوره داخل المؤسسة. فإدارة التواصل ليست جهة لنشر الأخبار، بل شريك استراتيجي في صناعة القرار. وكل مؤسسة ترغب في بناء سمعة مستدامة يجب أن تجعل التواصل جزءًا من التخطيط والإدارة، لا مرحلة لاحقة لتبرير القرارات بعد صدورها.
إن المؤسسات التي تكسب ثقة جمهورها ليست الأكثر صخبًا، بل الأكثر فهمًا. وليست الأكثر ظهورًا، بل الأكثر صدقًا واتساقًا بين ما تقوله وما تفعله. وفي زمن تتنافس فيه المؤسسات على كسب انتباه الجمهور، أصبحت الثقة هي الأصل الأهم، وأصبح التواصل الفعال يبدأ بالاستماع قبل الحديث.
عبدالرحمن الحميداني
متخصص في العلاقات العامة والاتصال المؤسسي