الإخفاق يبدأ من الكرسي قبل الملعب

محمد البكر

حين يخرج المنتخب السعودي من كأس العالم ، رغم أن نظام البطولة الجديد يمنح فرصة أوسع للتأهل إلى الدور الثاني بوجود اثنين وثلاثين منتخباً ، فإن أقل ما يجب أن يحدث ليس البحث عن مبررات ، ولا تعليق الإخفاق على شماعة لاعب أو مدرب أو مباراة ، بل مصارحة الناس بالحقيقة كاملة .

والحقيقة أن إخفاق المنتخب لم يكن مفاجأة . لم يولد في يوم المباراة الأخيرة ، ولم يبدأ مع صافرة الحكم ، بل كان نتيجة طبيعية لفوضى فنية وإدارية سبقت المونديال بعدة أشهر. منتخب يستعد لكأس العالم لا يمكن أن يعيش كل هذا الارتباك في أهم مرحلة من مراحل الإعداد . مدرب يرحل ، وآخر يعود ، ثم يلغى عقده ، ثم يبدأ البحث عن مدرب من أحد أندية دوري روشن قبل البطولة بشهرين تقريباً . أي مشروع هذا؟ وأي استقرار يمكن أن يصنع منتخباً قادراً على المنافسة في أكبر بطولة كروية في العالم !؟

ليست القضية في اسم المدرب وحده . مانشيني اسم كبير، ورينارد يعرف المنتخب جيداً، وأي مدرب جديد قد يملك سيرة مقبولة . لكن المنتخب لا يُبنى بالأسماء ، بل بالاستقرار، والرؤية، والتخطيط ، والوضوح . أما أن يتحول المنتخب إلى ملف طارئ ، وقرارات متلاحقة ، وتجارب متأخرة ، ثم نطالبه بعد ذلك أن يكون حاضراً وقوياً ومقنعاً، فذلك تحميل له بما لا يحتمل .

لقد أخفق المنتخب ، نعم . لكن قبل أن يخفق اللاعبون في الملعب ، أخفقت الإدارة في صناعة البيئة المناسبة لهم . وقبل أن نعاتب من لم يسجل أو من أخطأ في التمرير أو التغطية ، يجب أن نسأل : من وضع المنتخب في هذا المشهد المرتبك؟ ومن يتحمل مسؤولية سنوات من القرارات التي لم تصنع منتخباً مستقراً ولا مشروعاً واضحاً ؟

اتحاد الكرة مطالب اليوم بما هو أكثر من بيان اعتذار أو وعد بمراجعة أو تشكيل لجنة . المطلوب أولاً أن يعترف بأخطائه ، وأن يقول للناس بوضوح : نعم ، أخطأنا . أخطأنا في التخطيط ، وأخطأنا في التوقيت ، وأخطأنا في إدارة الملف الفني ، وأخطأنا حين ذهبنا إلى المونديال ونحن نحمل أسئلة أكثر من الإجابات .

لكن الاعتراف وحده لا يكفي . فالمسؤول الذي يخفق مرة قد يُمنح فرصة للتصحيح ، أما حين تتراكم الإخفاقات خلال سنوات ، وتبقى الأخطاء تتكرر بأسماء مختلفة ووعود جديدة ، فإن البقاء في المنصب لا يعود شجاعة ، بل يصبح جزءاً من المشكلة .

لهذا فإن أقل ما يمكن أن يقدمه مسؤولو اتحاد الكرة للمنتخب وللجماهير هو أن يتركوا مواقعهم لمن يملك رؤية جديدة ، وشجاعة مختلفة ، وقدرة على بناء منتخب لا يُدار بردود الفعل ولا يعيش على الأمنيات .

نحن لا نطلب المستحيل . لا نطلب منتخباً يفوز بكأس العالم ، ولا منتخباً يهزم الكبار دائماً . نطلب منتخباً يُدار بعقل ، ويُبنى على مشروع ، ويذهب إلى البطولات وهو يعرف مدربه ، وهويته ، وأهدافه ، لا منتخباً يعيش التغيير حتى اللحظات الأخيرة ثم نغضب حين يسقط .

الخروج من المونديال مؤلم. لكن الأخطر من الخروج أن نخرج من الدرس كما دخلناه : بلا اعتراف ، بلا محاسبة ، وبلا تغيير .
للحديث بقية

رد واحد على “الإخفاق يبدأ من الكرسي قبل الملعب”

  1. يقول احمد فهد:

    احسنت نقد موضوعي وفني وراقي وضع البلسم على الجرح
    وتم تشخيص المشكله الحقيقة ..وبناء منتخب قوي ومستقٌر ومن جميع مناطق المملكه التي تزخر بالعديد من المواهب الشابٌه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات