اختلط الحابل بالنابل

محمد البكر

ما نراه اليوم ليس ظاهرة عابرة ، بل حالة عامة فرضتها سهولة المنصّات ، وسرعة النشر، وتراجع قيمة التخصص أمام سطوة الرأي السريع . في زمنٍ ليس ببعيد ، كان الجمهور جمهوراً ، والطبيب طبيباً ، والمحلل السياسي نتاج دراسة وتجربة ومسؤولية . أما اليوم فقد تداخلت الأدوار حتى اختلط الصوت بالضجيج ، والرأي بالمعلومة ، والاجتهاد بالادّعاء .

بدأ المشهد في الرياضة ، حين تحوّل التشجيع الطبيعي إلى ” تحليل فني” بلا أدوات ، وبلا معرفة بتفاصيل اللعبة أو خلفياتها الفنية . ثم انتقلت العدوى إلى الطب الشعبي ، حيث أصبح كل من جرّب عشبة ، أو سمع بوصفة ، يقدّم نفسه خبيراً في العلاج ، غير مدرك أن كلمة خاطئة قد تضر أكثر مما تنفع .

واليوم نعيش المرحلة الأخطر، مع اتساع دائرة ” التحليل السياسي” ، حيث باتت القضايا المصيرية ، والصراعات المعقّدة ، والملفات الدولية الحساسة مادة مفتوحة لكل من يملك حساباً وهاتفاً ، دون فهم لتشابك المصالح أو خطورة التبسيط المخل في القضايا المصيرية .

المشكلة هنا لا تكمن في إبداء الرأي ، فالرأي حق مشروع ، بل في تقديمه على أنه حقيقة ، أو تسويقه على أنه تحليل ، وهنا يبدأ الخلل الحقيقي . الإنسان البسيط يجد نفسه في دوامة لا تنتهي ، بين آراء متناقضة ، ونصائح متضاربة ، وتفسيرات تتبدل كل ساعة ، فيفقد الثقة ، ويضيع الفهم ، ويتحول القلق إلى رفيق يومي .

نحن لا نحتاج إلى إسكات الأصوات ، ولا إلى مصادرة الآراء ، بل إلى إعادة الاعتبار للتخصص ، وإلى وعيٍ عام يميّز بين من يُحلل لأنه يعلم ، ومن يتحدث فقط لأنه يستطيع التحدث . ففي زمن الضجيج ، تصبح البساطة ضحية ، ويصبح العقل مطالباً بأن يكون أكثر حذراً ، وأكثر انتقائية ، وأكثر احتراماً للحقيقة . ولكم تحياتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات