الرأي

موسم الرياض

د. أمل الطعيمي

مثقفة وكاتبة رأي سعودية .. عميدة كلية الأداب بجامعة الإمام عبدالرحمن (سابقا )، مديرة التحرير بصحيفة "اليوم" (سابقا)

وأخيراً بدأ موسم الرياض الذي تابعنا الحماس له كفكرة ، ومن ثم الاستعداد ، وحتى لحظة الانطلاق ، ذلك الحماس الذي أشعله رئيس هيئة الترفيه بشخصيته المثيرة للجدل ، والتي كما نراها من خلال تغريداته أو بعض المقاطع المصورة شخصية تظهر كما هي بلا تصنع أو محافظة على الرسميات ينبئك عن هذا سرعة استجابته لما يكتب معه أو ضده ، ومن ثم اعتماده على طرح الأسئلة المستمرة على متابعيه حول ما يفكر فيه أو ما يطرح عليه من أسئلة وعلامات استفهام كثيرة حول كل رأي يكتبه أو ما يعلن عنه ، ولا يخلو الأمر من بعض (القفشات) اللطيفة أحياناً والذكية أحياناً أخرى ، لأنه فعلاً يفكر بصوت عال ويكتب ما يفكر به في لحظته وعلى الملأ من خلال تغريداته في تويتروكأنه يقول : ما يهم هو النتيجة ، وكان آخر تعليقاته  حتى لحظة كتابة هذه المقال.

ما كتبه عن فيديو حفل الفرقة الكوريه بعد بداية الحفل بقليل قوله : ( يقولون الملعب مره مره فاضي ما فيه إلا سبعة ) لا شك بأن هذا التعليق الساخر- على فيديو يؤكد امتلاء الملعب بالحضور المستمتع بالحفل- يغني عن كثير من الكلام الذي يمكن أن يكتب حول ما كان يقال ، وما دحضته الحقائق في اليوم الأول من الموسم عن الإقبال على برنامج الموسم الحافل الذي جعل الخوف يتسلل لعقول كثير من الناس ليس المتشددين فحسب وهم الذين يرفضونه جملة وتفصيلا ، ولكن حتى غيرهم من المثقفين الوسطيين الذين جابوا بلاد العالم ولا مشكلة لديهم في الترفيه بكل أنواعه ولكن عندما وصل الأمر للرياض خافوا وبدأت توقعاتهم واعتراضاتهم حتى قبل أن يطلعوا على برنامج الموسم ! فتساءلوا هل يعقل فرقه كوريه ؟! هل يعقل حفلة كل يوم ؟! ولماذا كل البرنامج يقوم على الحفلات والطرب ولماذا وكيف وهل وغيرها من أدوات الاستفهام التي تنبئك عن مخاوف لا مبرر لها سوى أنه حدث أو بالأصح مجموعة أحداث جديدة حشدت لها كل الطاقات البشرية والمادية لتدار الدفة نحو اتجاه جديد ضمن اتجاهات أخرى لا تتقاطع معها من أجل إعلان بداية مسيرة اجتماعية جديدة . وهذا أمر طبيعي مع كل مفترق طرق، حيث الحيرة والخوف والتوقعات والتردد .

ولا أخفيكم بأني حين سمعت أن الحفلات الغنائية هي الطاغية على البرنامج تتبعت مواعيد تلك الحفلات فوجدتها تقام متباعدة كل يوم خميس باستثناء حفلين فقط في يوم الجمعة وهي بهذا أقل بكثير مما سيتوجه له الناس يومياً في البوليفارد أو غيره من الفعاليات .

ومن المفارقات الطريفة  أن يستهل موسم الرياض بحفل الفرقة الكورية BTS ومعرض الصقور والصيد في يوم واحد وشتان ما بينهما من حيث الفئة العمرية والجنس والاهتمام وكان الإقبال منقطع النظير لكل منهما . وانتهى الحفل الذي أرجف المرجفون حوله ولم يكلفنا الأمر شيئاً ولكنه منح فئة من المجتمع سعادة لحظية ربما تغنيهم نفسياً عن كثير من الأمور الأخرى ، وتعني لهم في وقتها كثيراً جداً ، وربما بعد بضعة سنوات يضحكون على هذا الأمر كما فعلنا نحن على مواقف واهتمامات كثيرة في حياتنا تغيرت فيما بعد .

وقد لاحظت أن كثيراً من الكبار يجهلون هذه الفرقة مثلي تماماً ولكن هذا لم يمنع أن يغص استاد الملك فهد بتلك الأعداد من الحضور الذين ربما لم يعجبنا صراخهم ، وأثار دهشتنا زحفهم للملعب في ساعة مبكرة وانتظارهم لساعات حتى تفتح لهم أبواب الدخول ولكن هذا ماحدث فما الذي يعنيه هذا الأمر؟ هو يعني أن كل المخاوف التي تعالت أصواتها مؤخراً وكل الساخرين وكل المتشائمين فاتهم أن الذين حضروا للحفل لم يكونوا بمعزل عن العالم ، وأنهم على تواصل مستمر مع الفن في كل بلاد العالم وأنهم ربما على تواصل مع ما هو أسوأ من ذلك من خلال أجهزتهم اليدوية التي ينتقلون فيها من بلاد إلى أخرى بمنتهى البساطة والسهولة ، والجميع يدرك ذلك ويعيشه كل يوم في بيته، فلماذا يتطاول عنق الخوف بيننا عندما قربنا لهم العالم الذي يرونه من خلال الشاشة وجعلناه مواجهاً لهم؟! هل يستطيع الآباء والأمهات أن يحرموا على الأبناء حمل الأجهزة التي تصلهم بالعالم بكل ما فيه من حسنات وسيئات ؟ بالتأكيد لن يستطيعوا ذلك لأننا اليوم في زمن لا يجدي معه أن تعلق الأقفال على أبواب البيوت أو الرؤوس بل أن تشاركهم الإمساك بالمفاتيح والتعرف على العالم معهم وتعريفهم على ما هو مروع بحق وما هو ليس كذلك . المشكلة عند كثير من الناس أنهم لايزالون يمارسون الكذب على ذواتهم وعلى غيرهم بالنيابة عنهم وهنا مكمن الخطر.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *