الإخفاق يبدأ من الكرسي قبل الملعب
حجم الخط |
- A+
- A
- A-
حين يخرج المنتخب السعودي من كأس العالم ، رغم أن نظام البطولة الجديد يمنح فرصة أوسع للتأهل إلى الدور الثاني بوجود اثنين وثلاثين منتخباً ، فإن أقل ما يجب أن يحدث ليس البحث عن مبررات ، ولا تعليق الإخفاق على شماعة لاعب أو مدرب أو مباراة ، بل مصارحة الناس بالحقيقة كاملة .
والحقيقة أن إخفاق المنتخب لم يكن مفاجأة . لم يولد في يوم المباراة الأخيرة ، ولم يبدأ مع صافرة الحكم ، بل كان نتيجة طبيعية لفوضى فنية وإدارية سبقت المونديال بعدة أشهر. منتخب يستعد لكأس العالم لا يمكن أن يعيش كل هذا الارتباك في أهم مرحلة من مراحل الإعداد . مدرب يرحل ، وآخر يعود ، ثم يلغى عقده ، ثم يبدأ البحث عن مدرب من أحد أندية دوري روشن قبل البطولة بشهرين تقريباً . أي مشروع هذا؟ وأي استقرار يمكن أن يصنع منتخباً قادراً على المنافسة في أكبر بطولة كروية في العالم !؟
ليست القضية في اسم المدرب وحده . مانشيني اسم كبير، ورينارد يعرف المنتخب جيداً، وأي مدرب جديد قد يملك سيرة مقبولة . لكن المنتخب لا يُبنى بالأسماء ، بل بالاستقرار، والرؤية، والتخطيط ، والوضوح . أما أن يتحول المنتخب إلى ملف طارئ ، وقرارات متلاحقة ، وتجارب متأخرة ، ثم نطالبه بعد ذلك أن يكون حاضراً وقوياً ومقنعاً، فذلك تحميل له بما لا يحتمل .
لقد أخفق المنتخب ، نعم . لكن قبل أن يخفق اللاعبون في الملعب ، أخفقت الإدارة في صناعة البيئة المناسبة لهم . وقبل أن نعاتب من لم يسجل أو من أخطأ في التمرير أو التغطية ، يجب أن نسأل : من وضع المنتخب في هذا المشهد المرتبك؟ ومن يتحمل مسؤولية سنوات من القرارات التي لم تصنع منتخباً مستقراً ولا مشروعاً واضحاً ؟
اتحاد الكرة مطالب اليوم بما هو أكثر من بيان اعتذار أو وعد بمراجعة أو تشكيل لجنة . المطلوب أولاً أن يعترف بأخطائه ، وأن يقول للناس بوضوح : نعم ، أخطأنا . أخطأنا في التخطيط ، وأخطأنا في التوقيت ، وأخطأنا في إدارة الملف الفني ، وأخطأنا حين ذهبنا إلى المونديال ونحن نحمل أسئلة أكثر من الإجابات .
لكن الاعتراف وحده لا يكفي . فالمسؤول الذي يخفق مرة قد يُمنح فرصة للتصحيح ، أما حين تتراكم الإخفاقات خلال سنوات ، وتبقى الأخطاء تتكرر بأسماء مختلفة ووعود جديدة ، فإن البقاء في المنصب لا يعود شجاعة ، بل يصبح جزءاً من المشكلة .
لهذا فإن أقل ما يمكن أن يقدمه مسؤولو اتحاد الكرة للمنتخب وللجماهير هو أن يتركوا مواقعهم لمن يملك رؤية جديدة ، وشجاعة مختلفة ، وقدرة على بناء منتخب لا يُدار بردود الفعل ولا يعيش على الأمنيات .
نحن لا نطلب المستحيل . لا نطلب منتخباً يفوز بكأس العالم ، ولا منتخباً يهزم الكبار دائماً . نطلب منتخباً يُدار بعقل ، ويُبنى على مشروع ، ويذهب إلى البطولات وهو يعرف مدربه ، وهويته ، وأهدافه ، لا منتخباً يعيش التغيير حتى اللحظات الأخيرة ثم نغضب حين يسقط .
الخروج من المونديال مؤلم. لكن الأخطر من الخروج أن نخرج من الدرس كما دخلناه : بلا اعتراف ، بلا محاسبة ، وبلا تغيير .
للحديث بقية