المعلم الذي بقي بعد الرحيل

محمد البكر

رحل الأستاذ إبراهيم العليوي ، أحد أقدم المربين الذين مرّوا على أجيال من أبناء مدينة الخبر، لكنه لم يرحل من الذاكرة . فمثل هؤلاء الرجال لا تغيب أسماؤهم بموتهم ، لأنهم تركوا في النفوس أثراً لا تمحوه السنوات .

كان يرحمه الله ، كما عرفه طلابه ، معلماً صارماً في زمن كانت فيه الصرامة جزءاً من التربية ، لكنها لم تكن قسوة بقدر ما كانت حرصاً وخوفاً على مستقبل الأبناء . وخلف تلك الملامح الجادة كان يختبئ قلب إنسان لا حدود لرحمته .

تُروى عنه مواقف كثيرة ، لكن مساحة المقال لا تسمح إلا بالإشارة إلى بعضها . ومن أجمل ما نُقل عنه أن أحد طلابه ، وكان يتيماً ، تغيّب عن المدرسة ذات يوم . لم يكتفِ الأستاذ إبراهيم بتسجيل الغياب ، بل اتصل بمنزل الطالب ليسأل عنه ، فأخبرته والدته أنه لم يجد من يوصله إلى المدرسة من زملائه . فما كان منه إلا أن قاد سيارته إلى بيت الطالب ، وأحضره بنفسه إلى المدرسة . موقف صغير في شكله ، كبير في معناه ، يكشف أن التعليم عنده لم يكن وظيفة، بل رسالة .

وبعد تقاعده ، افتتح مكتباً للعقار، غير أن المفاجأة أن ذلك المكتب تحوّل، في جانب منه ، إلى باب من أبواب الخير. فقد سخّر علاقاته وإمكاناته لمساعدة المستأجرين المحتاجين ، تارة بالتواصل مع أهل الخير لسداد إيجارات متراكمة على أسر فقيرة ، وتارة بالتوصية لدى جمعية البر لمساعدة من ضاقت بهم الحياة .
وقد نقل لي هذه المعلومة الصديق العزيز الشيخ عادل المحيسن ، إمام وخطيب جامع الملك فهد ، والذي كان مسؤولاً عن تلك الجمعية . واللافت أن كثيراً من هذه الجهود لم يكن يعرفها الناس حتى وفاته ، وكأن الرجل كان يعمل الخير بصمت، وينصرف عنه بصمت .

كان الفقيد قريباً من بيوت الخبر وأسرها ، يعرف الناس ويعرفونه ، ويحمل في قلبه وفاءً لهذه المدينة وأهلها. لم يكن معلماً عابراً في ذاكرة طلابه ، ولا رجلاً عادياً في مجتمعه ، بل كان واحداً من أولئك الذين يتركون أثراً هادئاً، لكنه عميق وباقٍ .

حتى رحيله كان مؤثراً كما كانت حياته مؤثرة ، فقد توفي ، رحمه الله ، إثر حريق اختنق فيه من الدخان . وهي خاتمة موجعة لأحبته وتلاميذه ، لكنها في ميزان الإيمان تفتح باب الرجاء. فنحن لا نزكّي على الله أحداً ، غير أننا نحسبه من أهل الخير، ونرجو أن يكتبه الله في منازل الشهداء، جزاء ما قدّم من علم ورحمة وسعي في قضاء حوائج الناس .

رحم الله الأستاذ إبراهيم العليوي، فقد كان معلماً في المدرسة ، ومربياً في الحياة ، وإنساناً بقي أثره بعد رحيله .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات