حين يقلّ المواليد

محمد البكر

تعاني المملكة ، مثل غيرها من دول كثيرة ، من تراجع ملحوظ في عدد المواليد. واللافت أن هذا التراجع لا يُقرأ عند الناس قراءة واحدة ، فهناك من يراه أمراً طبيعياً ، بل ومناسباً ، بحجة أن الأسرة الصغيرة أقدر على التربية ، والإنفاق ، وتوفير حياة أفضل لأبنائها . وهناك في المقابل من يراه مؤشراً مقلقاً ، ليس على حاضر البلد ، بل على مستقبله البعيد.

والحقيقة أن المسألة لا ينبغي أن تُختصر في سؤال بسيط : هل كثرة المواليد أفضل أم قلتهم ؟ فالقضية أعمق من ذلك . انخفاض المواليد قد يبدو مريحاً للأسرة في سنواتها الأولى ، لكنه على مستوى الوطن قد يترك أثره بعد عقود ، حين تضيق قاعدة الأطفال والشباب ، وتتسع شريحة كبار السن ، ويقل الداخلون الجدد إلى سوق العمل . عندها يصبح السؤال متعلقاً بالتوازن السكاني ، والقوة العاملة ، وأنظمة التقاعد ، والرعاية الصحية ، وحيوية المجتمع واحتياجاته .

في المقابل ، من الخطأ أن نحمّل الأسرة وحدها مسؤولية هذا التراجع . فالإنجاب اليوم لم يعد قراراً عاطفياً فقط ، بل أصبح مرتبطاً بتكاليف السكن ، والحضانة ، والتعليم ، والعمل ، واستقرار الدخل ، وقدرة الزوجين على الجمع بين متطلبات الحياة ومسؤوليات الأسرة . لذلك فإن معالجة الظاهرة لا تكون بالمواعظ ، ولا بنداءات عامة لزيادة الإنجاب ، بل بسياسات تجعل تكوين الأسرة أقل كلفة وأكثر اطمئناناً .

لسنا أمام خطر داهم ، لكننا أمام مؤشر يستحق الانتباه . فالأوطان لا تُبنى بعدد السكان فقط ، ولا بجودة الإنسان فقط ، بل بتوازن حكيم بين الاثنين . والمطلوب أن نمنح الأسرة السعودية شعوراً بأن إنجاب الأبناء ليس مغامرة مرهقة ، بل مشروع حياة آمن، كريم ، وممكن .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات