حتى آخر قطرة من الحياة
حجم الخط |
- A+
- A
- A-
عندما نكون في طفولتنا ، ننتظر من يسعدنا . ننتظر لعبة ، أو رحلة ، أو كلمة حانية ، أو يداً تمتد إلينا فتملأ يومنا بالفرح . وحين ندخل مرحلة الشباب ، نظن أننا أصبحنا قادرين على صناعة سعادتنا بأنفسنا ، فنركض خلف الأحلام ، والعمل، والحب ، والنجاح ، ونبحث عما يسعدنا دون أن نحتاج كثيرًا لمن يدلنا عليه .
لكن الغريب أن بعض الناس ، حين يتقدم بهم العمر، يتعاملون مع الحياة وكأنها أغلقت أبوابها، وكأن السعادة كانت فرصة مؤقتة وانتهت ، أو موسمًا مضى ولن يعود. يبدأ الواحد منهم في التفكير بمنطق العد التنازلي ، لا بمنطق الامتنان لما بقي . يعدّ السنوات التي ذهبت ، وينسى الأيام التي ما زالت بين يديه .
وأنا أستغرب من هذه الفكرة السوداوية . فالعمر لا يفقد قيمته لأنه تقدم ، ولا تصبح الحياة أقل جمالاً لأن الشعر شاب ، أو الخطوة صارت أبطأ ، أو الجسد صار يحتاج إلى رفق أكثر. بل ربما كانت السنوات المتأخرة من العمر أصدق مراحل الإنسان ، وأكثرها صفاء ، لأنها تأتي بعد تجارب طويلة ، وبعد أن يخفّ ضجيج الطموحات ، وتهدأ معارك إثبات الذات .
أبواب الحياة لا تغلق نفسها ، لكنها لا تستطيع أن تفتح قلب من قرر أن يقف أمامها خائفاً ، يرى في كل باب نفقاً مظلماً ، لا فرصة جديدة للعبور .
لماذا لا ننظر إلى ما بقي من أعمارنا كما ينظر العطشان إلى كأس ماء؟ لا يسأل : كم بقي في الكأس؟ بل يشرب حتى آخر قطرة .
للحديث بقية غداً بإذن الله
