حين تحترق الأوطان
حجم الخط |
- A+
- A
- A-
ليست كل الكوارث تبدأ بانفجارٍ مدوٍّ… بعضها يبدأ بكلمة، بنظرة، بإشاعةٍ صغيرة لا يُلقى لها بال، أو بتراكمٍ للكراهية. هكذا كانت البداية في رواندا، حين تحوّل خلافٌ قبليٌّ متراكم إلى نارٍ التهمت كل شيء، فيما عُرف لاحقًا بالإبادة الجماعية. خلال مئة يوم فقط، قُتل أكثر من 800 ألف إنسان، بمعدلٍ يوميٍّ يقترب من ثمانية آلاف ضحية… وكأن الموت لم يكن حدثًا طارئًا، بل إيقاعًا يوميًّا للحياة. لم يكن السلاح وحده هو الأقسى، بل ذلك الشر الذي تُرك صغيرًا حتى تضخّم، فعجز الجميع عن احتوائه. حينها لم يكن ذلك المشهد صفحةً سوداء في التاريخ فحسب، بل درسًا إنسانيًا عميقًا: أن النار تبدأ من مستصغر الشرر، وأن تجاهل بذور الكراهية أخطر من الكراهية ذاتها.
لكن الجميل أن رواندا لم تتوقف عند المأساة، ولم تختر البقاء أسيرة الألم، ولا أن تجعل من الماضي ذريعةً للانتقام. اتجهت نحو طريقٍ مختلف، صعبٍ في بدايته، لكنه واضح المعالم… المصالحة، وبناء الإنسان، وصناعة المستقبل. اليوم، لا نرى فقط بلدًا تعافى، بل نموذجًا في التحول؛ دولة أعادت ترتيب أولوياتها، فاستثمرت في التعليم، ورفعت كفاءة مؤسساتها، وفرضت حضورها كواحدة من التجارب اللافتة في النمو والاستقرار.
ومع ذلك، ينغمس البعض في الكراهية فلا يتعلمون من تجربة رواندا، حيث لا تزال مشاهد التنازع تتكرر بصورٍ مختلفة في بعض دولنا العربية. أصواتٌ تتصادم، وخطاباتٌ تتغذى على الانقسام، ورؤوسٌ ترى في الفرقة مساحةً أوسع للحضور.
لا حاجة لتسمية الأماكن… فالنتيجة واحدة: مجتمعاتٌ تُستنزف، وأوطانٌ تدفع ثمن صراعاتٍ كان يمكن إخمادها في بدايتها.
وهنا، تعود رواندا لتكون أكثر من قصة تعافٍ… بل رسالة: أن الانقسام ليس قدرًا، وأن الخروج من دوامة الصراع ممكن، متى ما تقدّم صوت العقل على ضجيج المصالح. فالدرس ليس في حجم المأساة، بل في توقيت التعامل معها… فإما أن يُطفأ الشرر في لحظته، أو ننتظر حتى تصبح الأوطان رمادً . ولكم تحياتي