لكمة كلاي .. ومدينة الينابيع
حجم الخط |
- A+
- A
- A-
أحياناً نمرّ على الأماكن … فنرى جمالها ، ولا نعرف قصتها . ونشاهد البرامج … فنمضي معها دقائق ، ولا يبقى منها شيء في ذاكرتنا . وبين هذا وذاك ، يختبئ الفارق الحقيقي بين محتوى يُنسى … وآخر يعيد تشكيل ما نعرفه . ليس من باب الدعاية ، ولا من باب المجاملة الإعلامية ، بل من واقع متابعة وتجربة شخصية ، أجد نفسي مجبراً للإشارة إلى الفارق الكبير بين ما تقدّمه بعض القنوات من محتوى سطحي عابر، وبين ما تطرحه قناة الشرق الوثائقية من برامج تحترم عقل المشاهد وتضيف له معرفة حقيقية .
قبل أيام تابعت على هذه القناة برنامجين وثائقيين ، وكانت المقارنة تلقائية بين تفاهة لا تترك أثراً ، ومحتوى يوسّع المدارك ويبسّط التاريخ دون أن يفرغه من معناه . البرنامج الأول كان عن مدينة كارلوفي فاري التشيكية ، مدينة زرتها قبل عامين ، واستمتعت بجمال طبيعتها ، وينابيعها الشهيرة . لكنني – للأسف – غادرتها دون أن أعرف عمق قصتها الإنسانية ، وما تخبأه خلف مياهها المعدنية الحارة .
ذلك البرنامج أعاد تقديم المكان من زاوية مختلفة ، لم يكتفِ بجمال المباني أو سحر الينابيع ، بل ذهب إلى الإنسان ، إلى قصة عائلة امتلكت أحد أشهر فنادق المدينة ، وعاشت فيه كجزء من ذاكرتها اليومية لعدة أجيال ، قبل أن تُطرد منه بعد الحرب العالمية الثانية مع دخول النفوذ السوفيتي . حينها صُودرت الملكية باسم الأيديولوجيا . وهنا تتجلّى إحدى أبشع نتائج الحروب . ليس الدمار فقط ، بل اقتلاع الناس من تاريخهم ، وتحويل مدنهم إلى واجهات بلا ذاكرة .
البرنامج الثاني كان عن أسطورة الملاكمة محمد علي كلاي ، الذي رفض المشاركة في حرب فيتنام لأنه لم يكن يؤمن بعدالتها ، فدفع ثمن موقفه سجناً وتجريداً من لقبه ، ثم ثمناً آخر بسبب إسلامه . برنامج أعاد لنا قيمة الإنسان عندما يتمسّك بمبادئه .
هذه البرامج لا تُسلّي ، بل تُعلّم ، وتُذكّر بأن الإعلام حين يحترم المتلقي ، يمنحه مفاتيح الفهم لا جرعات النسيان . فبعض المواقف تهزم الحروب ، حتى بعد انتهائها .
ولكم تحياتي