أمورك طيبة

محمد البكر

يروي أحد الأصدقاء أنه أجرى فحوصات شاملة، وكعادته حرص على الاطمئنان قبل مراجعة طبيبه. وحين استلم النتائج، لاحظ وجود ملاحظة على إحدى العينات. لم تكن واضحة بالنسبة له، وموعد الطبيب بعد أسبوع… أسبوع كامل من الانتظار الثقيل . لم يحتمل ، ففعل ما يفعله كثيرون اليوم : فتح هاتفه ، ودخل إلى موقع الذكاء الإصطناعي . من سؤال إلى آخر، ومن إجابة إلى تفصيل ، وجد نفسه أمام احتمالات متعددة … لكن عينه لم تقع إلا على أخطرها . بدأ القلق يتسلل ، ثم يتحول إلى خوف ، ثم إلى يقين داخلي بأن الأمر جلل . لم يعد ينتظر أسبوعاً ، بل سعى بكل وسيلة للدخول على طبيبه في أقرب وقت .

دخل العيادة شاحب الوجه، مثقلًا بالهواجس، وكأنه يحمل نتيجة حكم لا فحصاً طبياً .

تصفح الطبيب النتائج بهدوء ، رفع رأسه بابتسامة مطمئنة وقال : ” الحمد لله ، أمورك طيبة” . مجرد ملاحظة بسيطة ، تحتاج علاجاً لأيام وتنتهي . هنا فقط … سقط كل ذلك القلق دفعة واحدة .

القصة ليست غريبة ، بل تتكرر يومياً . ليس لأن الذكاء الاصطناعي يخطئ دائمًا ، بل لأننا نتعامل معه أحياناً بطريقة خاطئة . فهو لا يرى المريض ، ولا يعرف تاريخه الصحي ، ولا يفحصه ، بل يضع أمامك كل الاحتمالات الممكنة… من الأبسط إلى الأخطر . لكن المشكلة أن الإنسان بطبيعته لا يتوقف عند الاحتمال البسيط ، بل يذهب مباشرة إلى الأسوأ، وكأنه يبحث عمّا يخيفه لا عمّا يطمئنه .

الطبيب حين يقرأ التحليل لا ينظر إلى رقم مجرد ، بل إلى إنسان كامل : تاريخه ، أعراضه ، نمط حياته ، وحتى نبرة صوته أحياناً . أما الشاشة ، فتعطيك معلومة… لكنها لا تمنحك طمأنينة .
الخطأ ليس في التقنية، بل في تحويلها إلى بديل عن الطبيب ، لا أداة مساعدة له . يمكنك أن تسأل ، أن تبحث ، أن تفهم … لكن لا تُشخّص نفسك ، ولا تُصدر حكمك قبل أن تسمع الكلمة الأهم : ” أمورك طيبة ” .

بقي شيء مهم وهو .. أنا صاحب القصة رغم ثقافتي وأطلاعي وقعت في هذا الخطأ . فلا تقعوا فيما وقعت فيه ولكم تحياتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات