رمضان… العمر في ثلاثين يوماً

محمد البكر

كلما تقدّم بنا شهر رمضان شعرتُ أنه لا يشبه شهور السنة الأخرى فحسب ، بل يشبه حياة الإنسان نفسها. كأن هذا الشهر الكريم يختصر رحلة العمر في ثلاث محطات ، لكل محطة طعمها وإيقاعها ومعناها .

في الثلث الأول من رمضان يطل الفرح واضحاً في الوجوه . موائد عامرة ، وتزاور بين الأهل والأصدقاء، ومجالس تعود فيها الحكايات القديمة لتدفئ القلوب . كأن هذه الأيام تشبه بدايات العمر ، تلك المرحلة التي تكون فيها الحياة مليئة بالدهشة والبهجة ، حيث يكتشف الإنسان العالم من حوله ، وتكون العائلة هي مركز الدفء والاطمئنان . كل شيء يبدو جديداً ، وكل لقاء يحمل نكهة خاصة .

ثم يدخل الشهر في ثلثه الثاني ، فتستقر الحياة الرمضانية وتنتظم إيقاعاتها . اعتاد الناس الصيام ، وأصبحت الأيام أكثر حيوية . الأسواق تضج بالحركة ، والليالي تمتلئ بالنشاط ، والناس يمضون في أعمالهم واجتماعاتهم باندفاع أكبر. هنا يبدو رمضان كأنه مرحلة الشباب ، القوة والحيوية والرغبة في العمل والعطاء، حيث يسير الإنسان في حياته مفعماً بالطاقة والطموح .

لكن أجمل ما في الشهر المبارك ربما يكون ثلثه الأخير . في هذه الأيام يهدأ الصخب قليلاً ، وتصبح القلوب أكثر ميلاً للسكينة . يزداد الإقبال على القيام والاعتكاف ، ويبحث الناس عن ليلة القدر كأنهم يبحثون عن لحظة صفاء عميقة في حياتهم . هنا يشبه رمضان مرحلة النضج ، حين يميل الإنسان إلى التأمل أكثر ، ويقترب من المعاني الكبرى للحياة . وكأن رمضان يهمس لنا بأن الحياة تبدأ بالفرح ، وتمضي بالقوة ، لكنها تكتمل بالسكينة . وأن أجمل ما في الرحلة ليس ضجيج البدايات ولا اندفاع المنتصف ، بل أن تكون خواتيمها أقرب إلى الله وأهدأ في القلب . ولكم تحياتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات