الغبقة… “علامة مسجلة”
حجم الخط |
- A+
- A
- A-
لم تكن الغبقة في رمضان تحتاج بطاقة دعوة ولا جدول أسماء . كانت كلمة عابرة بعد التراويح تكفي .. ” اليوم عند فلان ” ، فنفهم جميعاً أن الطريق معروف ، وأن الموعد محفوظ في القلب قبل الساعة .
كانت غبقاتنا بين أصدقاء الشلة ، كل ليلة على بيت واحد منا . لا تكلف ولا استعدادات مرهقة. اليوم عندي ، وغداً عندك ، وبعد غدٍ عند ثالثنا . وإن ضاقت الحال بأحد ، تكفّل البقية ببساطة لا تُحرج أحداً. لم تكن المسألة ماذا سنقدم ، بل من سيحضر .
المائدة كانت متواضعة ، المهم عندنا في الشرقية والخليج ” السمك والربيان ” ، وربما هريس أو ثريد . لكن المجلس كان عامراً بالضحكات والقصص والجدل الودي . نجلس متقاربين بلا رسميّات ، لا نصوّر، فالتصوير آنذاك يحتاج كاميرا ثم تحميض ودفع فلوس . كنا نأتي كما نحن ، ونغادر بقلوب أخفّ.
اليوم تغيّرت الغبقة انتقلت من عفوية البيوت إلى قاعات مرتبة ، ومن لقاء أرواح إلى مناسبة تُحسب تفاصيلها بدقة . كثرت الأطباق ، وقلّ الدفء . ازدادت الأضواء ، وخفّت العفوية . أصبحنا نجهد أنفسنا لنُبهر، بينما كانت الغبقة قديماً تُبهج بلا جهد .
لسنا ضد التطور ولا الفرح بما وسّع الله علينا ، لكننا حين نُثقل العادة بالتكلف ، نفقد شيئاً من روحها . التراث ليس شكلاً نكرره ، بل معنى نعيشه . الغبقة لم تكن طعاماً فحسب … كانت وعداً يومياً باللقاء ، وكانت الشلة هي الدعوة ، والبساطة هي الزينة ، والقلوب هي المائدة التي تبحث عنها قلوبنا قبل بطوننا . فإذا أردنا أن نحفظ تراثنا ، فلنحفظ روحه أولاً… قبل أن نحفظ اسمه .
لا أدري إن كانت عادة ” الغبقة ” موجودة في كل مناطق المملكة أم في الشرقية فقط .
ولكم تحياتي
ما أجمل ما سطره قلم الأستاذ الكبير محمد البكر، وهو لا يكتب عن “الغبقة” بقدر ما يستدعيها من عمق الذاكرة، كأنها طيفٌ رمضانيّ يمشي بين السطور، تفوح منه رائحة البحر ودفء المجالس القديمة.
لقد أعادنا بكلماته إلى زمنٍ كانت فيه الدعوة كلمة، والوعد عهدًا، والطريق إلى البيوت مفروشًا بالألفة لا بالبروتوكول. كانت الغبقة – كما وصفها – لقاء أرواح قبل أن تكون اجتماع موائد، وكانت البساطة تاجها، والعفوية روحها، والقلوب هي الزينة التي لا تحتاج إلى ترتيب.
في حديثه حنينٌ نبيل، لا يخاصم الحاضر، لكنه يذكّرنا أن الاتساع لا يعني أن نُثقِل الأشياء حتى تفقد خفّتها. كم هو صادق حين قال إن التراث ليس شكلاً نكرره بل معنى نعيشه؛ فالغبقة حين كانت تُبهج بلا جهد، كانت تُعلّمنا أن الفرح الحقيقي يسكن التفاصيل الصغيرة: ضحكة صديق،
ما أجمل ما سطره قلم الأستاذ الكبير محمد البكر، وهو لا يكتب عن “الغبقة” بقدر ما يستدعيها من عمق الذاكرة، كأنها طيفٌ رمضانيّ يمشي بين السطور، تفوح منه رائحة البحر ودفء المجالس القديمة.
لقد أعادنا بكلماته إلى زمنٍ كانت فيه الدعوة كلمة، والوعد عهدًا، والطريق إلى البيوت مفروشًا بالألفة لا بالبروتوكول. كانت الغبقة – كما وصفها – لقاء أرواح قبل أن تكون اجتماع موائد، وكانت البساطة تاجها، والعفوية روحها، والقلوب هي الزينة التي لا تحتاج إلى ترتيب.
في حديثه حنينٌ نبيل، لا يخاصم الحاضر، لكنه يذكّرنا أن الاتساع لا يعني أن نُثقِل الأشياء حتى تفقد خفّتها. كم هو صادق حين قال إن التراث ليس شكلاً نكرره بل معنى نعيشه؛ فالغبقة حين كانت تُبهج بلا جهد، كانت تُعلّمنا أن الفرح الحقيقي يسكن التفاصيل الصغيرة: ضحكة صديق، طبق بسيط، وسهرة بلا تكلف.
سلمت يا استاذ محمد البكر على هذا الطرح الجميل .. فقد كتبتم نصًا لا يصف عادةً فحسب، بل يحفظ روحها، ويوقظ فينا سؤالاً جميلاً: هل نحافظ على الأسماء أم على المعاني؟!
سلم هذا القلم الذي يُنقّب في الذاكرة ليُعيد إلينا ما كدنا ننساه… وجعل الله غبقاتنا عامرة بالقلوب قبل الأطباق.