الرأي
الطرمبة وجدة.. حين يصبح الموروث الشعبي قوةً للتسويق السياحي
حجم الخط |
- A+
- A
- A-
من ذاكرة الطفولة وتغطيات خليجي 27 إلى هوية المدن والدبلوماسية الرياضية والاقتصاد السياحي
منذ أيام الطفولة، وقبل دخولي المدرسة، كانت «الطرمبة» من الحلويات التي أحبها وأطلبها في المناسبات العائلية. وأذكر أنني كنت أطلبها من أهلي وأخوالي، وأضيف بطريقتي الطفولية: «طرمبة الحلوى، مو طرمبة الهواء اللي ننفخ فيها كفر الدراجة!».
ومنذ ذلك الوقت، ظل أخوالي يستعيدون معي هذا الموقف في لقاءاتنا العائلية. وإلى اليوم، كلما سمعت كلمة «طرمبة»، عادت إليّ أجواء الطفولة وذكريات الأهل والبيت. فقد تكون مجرد حلوى شعبية بالنسبة إلى البعض، لكنها بالنسبة إليّ تحمل ذكرى عزيزة، شأنها شأن كثير من الأكلات والمسميات التي نشأنا عليها، وسمعناها من جداتنا وأمهاتنا وكبار السن في عائلاتنا.
تذكرت هذه القصة وأنا أتابع مبادرة الإعلامي عبدالله فلاته في برنامج «المنصة» مع تركي العجمة، حيث يحضر أكلات وحلويات حجازية، ويعرّف الناس بها وبأسمائها الشعبية بأسلوب عفوي قريب من الناس؛ من السليق الحجازي، وطبطاب الجنة، والقهوة الحلوة (قهوة اللوز)، والبف الحجازي المعروف في مكة والمدينة، إلى المنتو واليغمش والطرمبة، وغيرها من الأكلات التي تحمل أسماء وقصصًا ارتبطت بأهلها وذاكرتهم. وفي برنامج «المجلس»، ساهم النجمان السابقان عبدالرحيم جيزاوي ومناف أبو شقير في التعريف بالمطبخ المحلي، من خلال تقديم المعصوب والسمك والحنيذ والمندي لمحللي البرنامج وضيوفه، في أجواء جمعت الرياضة بالضيافة والموروث الشعبي.
وهي جهود تستحق الإشادة والتقدير؛ لأنها قدمت الموروث الشعبي لجمهور واسع، وأعادت إلى الذاكرة أكلات ومسميات ارتبطت بحياة أهل المنطقة وذكرياتهم. ولهذا استغربت من طرح بعض الإعلاميين حين تساءلوا مستنكرين عن تقديم ثقافة جدة وتاريخها من خلال «الطرمبة» أو محل سمك شعبي، وكأن هذه التفاصيل لا تليق بتاريخ المدينة ومكانتها!
لكن من قال إن الحديث عن الطرمبة أو محل السمك الشعبي يعني اختزال جدة فيهما؟ ولماذا ننظر إلى هذه التفاصيل باعتبارها أقل قيمة من غيرها؟ فجدة بتاريخها وحضارتها أكبر من أن تختزلها أكلة أو محل، لكن ذلك لا ينفي أن هذه الأكلات والمسميات الشعبية جزء من ذاكرتها وثقافتها. لعل الجدل الإعلامي الذي صاحب هذه التغطيات يكشف عن اختلاف أوسع في نظرتنا إلى مفهوم الثقافة؛ فهناك من يربطها بالمعالم التاريخية والفنون والمتاحف، بينما تمتد الثقافة أيضًا إلى الأسواق والأزياء والمأكولات والعادات والتفاصيل اليومية التي تشكّل حياة الناس. ولا تعارض بين الجانبين، بل يكمل أحدهما الآخر في تقديم صورة أكثر ثراءً وصدقًا عن المدينة.
أصبح العالم قرية صغيرة، والمملكة العربية السعودية أشبه بقارة مصغّرة؛ ففيها تنوع واسع في الأكلات والعادات والكلمات والموروث الشعبي بين الشمال والجنوب والشرق والغرب. وهذا التنوع مصدر ثراء ثقافي يدعونا إلى التعرف إلى ثقافات بعضنا بعضًا والاعتزاز بها، لا إلى الاستغراب منها أو التقليل من قيمتها. وقد قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: 13]. ومع ما أحدثته العولمة من تقارب بين الشعوب والثقافات، تظل المحافظة على الموروث المحلي ومسمياته جزءًا مهمًا من الحفاظ على هوية كل مجتمع.
فالطرمبة معروفة بهذا الاسم في مكة وجدة، بينما تُسمى في دول ومناطق أخرى «بلح الشام». ولكل منطقة مسمياتها وأكلاتها وطرق تقديمها، ولا تعني هذه الاختلافات أن إحداها أصح أو أفضل من الأخرى، بل تعكس تاريخ كل منطقة وعادات أهلها، وتمنح موروثها الشعبي خصوصيته ومكانته.
ولا تقف أهمية هذه المسميات عند حدود الذاكرة الشعبية؛ فهي أيضًا مادة ثرية للباحثين والمؤرخين والمتخصصين في السياحة وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا، لفهم تحولات المجتمع وعاداته وأنماط حياته عبر الأجيال. فاختفاء بعض الكلمات أو تغير مسميات الأكلات وطرق إعدادها وتقديمها قد يكشف عن تحولات اجتماعية وثقافية تستحق التوثيق والدراسة، قبل أن تتلاشى تفاصيلها من الذاكرة.
ولعل ما شاهدناه خلال تغطيات خليجي 27 في جدة يقدم مثالًا حيًا على هذه الفكرة. فقد تجاوزت بعض التغطيات حدود الملاعب والاستوديوهات، واقتربت من حياة الناس وتفاصيل المدينة، كما تابعنا في قناة الكأس وبرنامج «المجلس»، وفي التغطيات الميدانية لقناة شاشا. وكان للإعلامي القدير خالد جاسم وفريق برنامج «المجلس» في قناة الكأس حضور يستحق التقدير. فلم تقتصر التغطية على المباريات والتحليل الرياضي، بل نقلت إلى المشاهدين جانبًا من تاريخ جدة وحياة أهلها وعاداتهم وتقاليدهم، حتى شعر من يتابع من خارج المملكة بأنه يعيش شيئًا من أجواء المدينة.
ولا يقل عن ذلك ما قدمه مذيعو ومراسلو قناة شاشا من تغطية ميدانية احترافية فاقت توقعاتنا، رغم حرارة جدة ورطوبتها العالية. فقد تابعنا تنقلاتهم بين الأحياء والأسواق والمطاعم والبسطات الشعبية، وجلوسهم مع الناس ومشاركتهم الطعام والأحاديث بتلقائية محببة. وكان اللافت تفاعل المذيعين والمراسلين القادمين من مصر والعراق ودول الخليج مع الأكلات ومسمياتها المحلية؛ فالمقادم عندنا هي الكوارع في مصر، وفي العراق توجد «الباجة»، وهي أكلة قريبة منها. فهذا يقارن بين المسميات، وذاك يتعرف إلى الرأس المندي وغيرها من الأطباق الشعبية، لتتحول الأحاديث العفوية حول الطعام إلى فرصة للتعرف إلى أوجه التشابه والاختلاف بين ثقافاتنا، وما قد يبدو غريبًا عند البعض ومألوفًا ومحببًا عند آخرين.
ولم تقتصر جولاتهم على الأسواق والمطاعم، بل امتدت إلى المناسبات الاجتماعية والأعراس، ليعيش المشاهد جانبًا من حياة أهل جدة. والأجمل أن هذه التغطيات لم تعرّف الزوار والمشاهدين من خارج المملكة بالمدينة فحسب، بل جعلت بعض سكان جدة أنفسهم يعيدون اكتشاف أماكن وتفاصيل ربما لم ينتبهوا إليها من قبل.
ومن المشاهد التي أعجبتني مذيعة قناة شاشا وهي تدخل بقالة اللبان القديمة في جدة التاريخية، وتجرب «صامولي الحلاوة الطحينية»، ثم البطاطس المقلية في كيس، تمامًا كما كنا نأكلها ونحن صغار. مشاهد بسيطة، لكنها أعادت إلينا شيئًا من طفولتنا، وأظهرت للآخرين جانبًا من الحياة اليومية التي عاشتها أجيال في جدة. وخلال جولات مراسلي القناة بين بسطات جدة التاريخية، شاهدناهم يجربون البليلة ويتناولونها، وهي من أشهر الأكلات الشعبية المرتبطة بذاكرة أهل المدينة. وهنا تذكرت مشهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، حفظه الله، وهو يتناول البليلة خلال جولته في جدة التاريخية عام 2014lم، عندما كان وليًا للعهد؛ في صورة تعكس حضور هذا الموروث الشعبي في حياة المجتمع بمختلف فئاته.
ولم تتوقف التغطيات عند الأكلات والأسواق الشعبية، بل امتدت إلى الفن والثقافة أيضًا. ومن المواقف التي لفتت انتباهي تقديم الفنانة التشكيلية السعودية عهود عبدالله المالكي لوحة فنية تجسد الأمير خالد الفيصل، الأمير والشاعر وصاحب فكرة إقامة بطولة كأس الخليج العربي، محاطًا بأعلام دول الخليج، هديةً للإعلامي خالد جاسم في برنامج «المجلس». وقد حملت اللوحة دلالة تاريخية جميلة، خصوصًا أن الأمير خالد الفيصل طرح فكرة البطولة عام 1968م، قبل أن تستضيف البحرين نسختها الأولى عام 1970م. وكان في هذا الموقف فرصة لإبراز إبداع فنانة سعودية أمام جمهور خليجي واسع، من خلال تغطية بطولة رياضية.
وتؤكد هذه التغطيات، وما حظيت به من إشادة، أهمية الإعلام الذي يقترب من حياة المجتمع وتاريخه وعاداته، ويقدم المدينة للناس كما يعيشها أهلها، إلى جانب نقل المباريات والتحليل الرياضي.
وهنا تتجلى قيمة الإعلام في الدبلوماسية الرياضية والقوة الناعمة وتسويق المدن؛ فالمشاهد لا يتلقى إعلانًا سياحيًا مباشرًا، بل يتابع إعلاميين من دول مختلفة يعيشون التجربة بأنفسهم، ويتفاعلون مع الناس وثقافتهم. وما ينقله هؤلاء من انطباعات وقصص قد يكون أكثر تأثيرًا من حملات ترويجية مكلفة، ويشجع الآخرين على زيارة المدينة واكتشافها.
وبالطبع، فإن تسويق جدة، أو أي مدينة أخرى، أكبر بكثير من الأكلات والأسواق الشعبية. لدينا تاريخ وحضارة وموقع استراتيجي وبحر ومشروعات حديثة وفنادق ومطاعم عالمية وفعاليات رياضية وثقافية وترفيهية، وكلها عناصر مهمة. لكن الموروث الشعبي له قيمة خاصة؛ لأنه يعكس شخصية المدينة وأهلها وعاداتهم وكلماتهم، وهي عناصر لا يمكن استنساخها أو نقلها من مدينة إلى أخرى كما تُنقل العلامات التجارية العالمية والمطاعم التي نجدها في كثير من دول العالم.
وأذكر هنا مثالًا من لندن، حيث لا تقتصر تجارب بعض أثرياء الخليج على التسوق في أفخم المحلات، بل تمتد إلى الأسواق الشعبية بحثًا عن شيء مختلف. فقد كان بعض الخليجيين يوصون أصدقاءهم قبل السفر إلى لندن قائلين: «لا تنسَ أن تأخذ قطعة قماش أو صوفًا إنجليزيًا من محل يوسف وأبو نايف في السوق الشعبي في شيفردز بوش، ولا تنسَ أن تأكل ساندويتش الطعمية السودانية من السوق هناك!».
إنه سوق تختلط فيه الثقافات والجنسيات، من الأقمشة إلى الأكلات والأسماك، وأغلب ما تجده فيه يمثل ثقافات متعددة أكثر من كونه سوقًا إنجليزيًا تقليديًا. ومع ذلك، يقصده الناس، ويسألون عنه، ويوصون غيرهم بزيارته.
وحتى في حي تشيلسي، هناك محل برغر بسيط قرب النهر، اشتهر بين سائقي سيارات الأجرة بتقديم البرغر في ساعات متأخرة من الليل، وأصبح السياح الخليجيون، ومن بينهم بعض الأثرياء، يتناقلون قصته ويوصون بتجربته. وما يجمع هذه الأماكن أنها اكتسبت شهرتها من تجارب الناس وحكاياتهم عنها، لا من فخامتها أو ارتفاع أسعارها.
فإذا كنا نسافر ونبحث عن هذه التفاصيل في مدن العالم، فلماذا لا نفتخر بموروثنا الشعبي الذي عُرفت به مدن المملكة منذ أجيال؟ فمثل هذه الأماكن لا تحمل قيمة ثقافية واجتماعية فحسب، بل يمكن أن تصبح مقصدًا سياحيًا يعود بالنفع على أصحابها والمجتمعات المحلية المحيطة بها.
من الموروث الشعبي إلى الاقتصاد السياحي والرياضي
ومن منظور الاقتصاد السياحي والرياضي، فإن نجاح استضافة البطولات الكبرى لا يُقاس فقط بإيرادات المباريات والفنادق، بل بمدى وصول أثرها إلى المطاعم الشعبية والبسطات والمحلات الصغيرة والأسر المنتجة والحرفيين، وبما تتركه من تجارب تشجع الزوار على العودة بعد انتهاء المنافسات.
ولتحويل هذا الاهتمام إلى أثر اقتصادي مستدام، نحتاج إلى مواصلة التواصل مع الإعلاميين وصناع المحتوى الذين تعرفوا إلى جدة، وتشجيع الزوار على إطالة إقامتهم واكتشاف مزيد من الأماكن، ثم العودة مستقبلًا مع عائلاتهم وأصدقائهم.
ومن المهم أيضًا قياس ما تحقق، ليس فقط بعدد الحضور وإيرادات أيام البطولة، بل بمدى استفادة المنشآت المحلية، وتغير اهتمام الجمهور بزيارة المدينة، واستمرار الأثر السياحي والاقتصادي بعد انتهاء البطولة. ويمكن للجامعات والمراكز البحثية أن تسهم في توثيق هذه التجارب ودراسة أثرها في الصورة الذهنية للمدن وسلوك الزوار والمحافظة على الموروث المحلي، بما يساعد على تطوير سياسات سياحية وثقافية تستند إلى المعرفة والبحث العلمي.
ومن مكاسب خليجي 27 أن هذه التغطيات عرّفت جمهورًا كبيرًا على تفاصيل جدة، وهي فرصة يمكن البناء عليها استعدادًا للبطولات والمناسبات المقبلة، ومنها كأس آسيا 2027؛ حتى لا ينتهي أثر الاستضافة بانتهاء المباريات، بل يمتد إلى زوار جدد قد يأتون لاكتشاف المدينة، حتى لو لم يكونوا من محبي كرة القدم أصلًا.
نعتز بجدة الحديثة ومشروعاتها العالمية، كما نعتز بجدة التاريخية، ببسطاتها وأكلاتها ومسمياتها التي ورثناها عن أهلنا. فالطرمبة، والبليلة، والمقادم، ومحل السمك الشعبي، لا تختزل جدة، لكنها جزء من هويتها وذاكرتها. ومن حق كل منطقة في المملكة أن تعتز بموروثها؛ فذلك التنوع يمنح مدننا شخصيتها وخصوصيتها، ويجعلها وجهات تستحق الاكتشاف للسياح والباحثين والمؤرخين والمهتمين بثقافات المجتمعات.
وحين نحافظ على هذه الحكايات الصغيرة، فإننا لا نحافظ على أسماء أكلات فحسب، بل نحافظ على جزء من ذاكرتنا وهويتنا.

