الرأي
كتاب في الحقيبة.. وكرة تحت القدم
حجم الخط |
- A+
- A
- A-
في الثامنة عشرة من عمره، وقبل أن تتصدر أخباره سوق الانتقالات إلى نادي مانشستر سيتي في أقوى دوري رياضي بصفقة تقترب من 100 مليون يورو، كان أيوب بوعدي يعيش قصة غير مألوفة للاعب كرة قدم في مثل عمره. المولود في فرنسا لأسرة مغربية تقدم دراسيًا على أقرانه، وحصل على البكالوريا الفرنسية في السادسة عشرة، وفاز بمسابقة للخطابة، ثم واصل دراسة الرياضيات بالتوازي مع احتراف كرة القدم. وفي الملعب، مثّل فرنسا في منتخبات الفئات السنية قبل أن يختار المغرب، ثم وجد نفسه في الثامنة عشرة أمام البرازيل في كأس العالم 2026، محافظًا على دقة تمرير تجاوزت 90 في المائة.
التقط الإعلام سريعًا قصة «أينشتاين كرة القدم»، لكن ما يجعل تجربة بوعدي تستحق التوقف ليس اللقب ولا رقم الصفقة، بل سؤال أبسط: كيف يستطيع شاب يعيش متطلبات رياضة النخبة أن يحافظ في الوقت نفسه على مساره التعليمي؟ ولماذا نتعامل أحيانًا مع المدرسة والملعب وكأن نجاح أحدهما يجب أن يأتي على حساب الآخر؟
هذا السؤال يهمنا في السعودية اليوم. فنحن لا نستعد لاستضافة كأس العالم 2034 فحسب، بل نعيش توسعًا غير مسبوق في الاستثمار الرياضي وتطوير الأندية والأكاديميات والمنشآت واستقطاب الخبرات الدولية. وبعد سنوات، لن يكون قياس أثر هذه المرحلة مرتبطًا بالمنشآت والبطولات وحدها، بل أيضًا بما أنتجته من مواهب سعودية، وكيف اكتشفناها وطورناها وحافظنا عليها.
هذه الفكرة أصبحت جزءًا من سياسات رياضية وتعليمية في عدد من الدول تحت مفهوم «المسار المزدوج» (Dual Career)، الذي يسعى إلى تمكين رياضي النخبة من الاستمرار في التعليم بالتوازي مع التدريب والمنافسة. ولا يعني ذلك أن المتفوق في الرياضيات سيكون لاعبًا أفضل، فالملعب لا يمنح نقاطًا إضافية للشهادات. المسألة أكثر عملية: لا يصل إلى الاحتراف إلا جزء محدود ممن يدخلون مسارات الموهبة، وقد تغير إصابة أو منافسة أو ظروف شخصية مستقبل الرياضي في أي مرحلة.
وتقدم الدراسات ما يدعم إمكانية الجمع بين المسارين. ففي الدنمارك، درس باحثون بيانات 1,005 من الرياضيين الشباب في 47 رياضة، وقارنوها ببيانات أكثر من 400 ألف طالب في التعليم الثانوي خلال الفترة من 2010 إلى 2019. ولم يظهر الرياضيون أداءً دراسيًا أقل؛ بل حققوا في المتوسط نتائج أفضل بعد أخذ عدد من المتغيرات الأخرى في الاعتبار. لا تثبت النتيجة أن الرياضة هي سبب التفوق الدراسي، لكنها تضعف الافتراض بأن رياضة النخبة والتعليم الجيد لا يمكن أن يجتمعا.
والصورة أوسع من دراسة واحدة. مراجعة علمية حديثة شملت 126 دراسة حول المسار المزدوج وجدت أن قدرة الرياضي على الجمع بين التعليم والرياضة لا تعتمد على جهده الشخصي وحده، بل تتأثر أيضًا بالأسرة والمدرسة والنادي والبيئة المؤسسية المحيطة به كمنظومة متكاملة متناغمه. ولهذا انتقلت دول مثل أستراليا من الفكرة إلى التطبيق؛ فمنذ 2004 تعمل شبكة تعليم رياضة النخبة على مساعدة الرياضيين في التوفيق بين الدراسة ومتطلبات الأداء العالي، من خلال ترتيبات تعليمية أكثر مرونة ودعم يمتد إلى المرحلة الجامعية.
وفي السعودية، لدينا قاعدة يمكن البناء عليها. فوفق تقرير رؤية السعودية 2030 لعام 2025م، تجاوز نطاق قاعدة اكتشاف المواهب 480 ألف طفل، وشمل أكثر من 950 رياضيًا، إلى جانب تدريب أكثر من 12 ألف مدرب ومعلم. هذه الأرقام تجعل المدرسة مرشحًا طبيعيًا لتكون واحدة من أكبر بوابات اكتشاف المواهب في المملكة.
لكن اكتشاف الطفل الرياضي يمكن أن يكون بداية الرحلة لا نهايتها في المدرسة. الطالب الذي يدخل الأكاديمية ويبدأ المعسكرات والسفر والبطولات يحتاج إلى مسار تعليمي يستطيع التكيف مع متطلبات موهبته، وإذا وصل إلى الجامعة فلا ينبغي أن تصبح المفاضلة بين المحاضرة ومعسكر المنتخب مشكلة شخصية يحاول حلها وحده.
وهناك مكسب آخر يتجاوز صناعة البطل نفسه. فمعظم الأطفال الذين يدخلون برامج اكتشاف المواهب لن يصبحوا رياضيين محترفين، لكن السنوات التي قضوها داخل الرياضة لا ينبغي أن تنتهي بخروجهم منها. قد يصبح أحدهم مدربًا، أو محلل أداء، أو طبيبًا رياضيًا، أو متخصصًا في البيانات والتقنية، أو إداريًا أو رائد أعمال يعمل في صناعة الرياضة.
عندها لا يعود التعليم مجرد شبكة أمان لمن لم يصل إلى الاحتراف، بل يصبح وسيلة للاحتفاظ بالموهبة داخل القطاع نفسه. وهذه إحدى الطرق التي يمكن بها تحويل الخبرات العالمية التي تستقطبها المملكة اليوم إلى معرفة محلية تبقى إرث بعد 2034.
إرث كأس العالم لا يبدأ بالضرورة يوم افتتاح البطولة. جزء منه يمكن أن يبدأ قبل ذلك بسنوات، في المدرسة، عندما يجد الطفل الموهوب طريقًا يسمح له بالتقدم في الرياضة دون أن يغلق عليه طريق التعليم. ومن يصل منهم إلى المنتخب يمثل مكسبًا، ومن يأخذ علمه وخبرته إلى التدريب أو الطب الرياضي أو التقنية أو الإدارة يظل جزءًا من المكسب نفسه.
قصة أيوب بوعدي لا تقدم وصفة جاهزة، ولا نحتاج إلى صناعة نسخ منه. أهميتها أنها تذكرنا بأن الطفل الواحد قد يحمل أكثر من موهبة، وأن اكتشاف قدرته الرياضية لا ينبغي أن يجعلنا نتوقف عن رؤية بقية قدراته.
وربما يكون بين طلاب مدارسنا اليوم من يحمل كتابًا في حقيبته، وكرة تحت قدمه. المهم ألا نطلب منه يومًا أن يختار بينهما.

