الرأي

كيف أعادت الألعاب تعريف الأصول الاستراتيجية في الاقتصاد العالمي!

د. طلال المغربي

أكاديمي ومستشار في التسويق الاستراتيجي

خمسة وخمسون مليار دولار ليست مجرد قيمة صفقة، بل مؤشر على تحول اقتصادي أعمق. فعندما أتم تحالف يضم صندوق الاستثمارات العامة السعودي إلى جانب Silver Lake و Affinity Partners الاستحواذ على Electronic Arts (EA) بهذا الرقم، فإن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون: كيف أصبحت شركة ألعاب تستحق هذه القيمة؟ بل: ما الذي تملكه حتى أصبحت أحد أهم الأصول الرقمية في العالم؟

قد يبدو الاستغراب مفهومًا إذا نظرنا إلى الألعاب باعتبارها وسيلة للترفيه فقط. لكن الأسواق لا تقيّم الشركات وفق المنتج الذي تبيعه اليوم فحسب، بل وفق ما تمتلكه من أصول وقدرتها على إنتاج قيمة مستقبلية. ومن هذا المنطلق، فإن EA ليست مجرد شركة تطور ألعابًا، بل منظومة تجمع ملكية فكرية عالمية، ومجتمعات رقمية تضم مئات الملايين من المستخدمين، ونموذج أعمال يقوم بدرجة كبيرة على الإيرادات المتكررة، وعلاقة مستمرة مع المستخدم يصعب بناؤها في وقت قصير.

والصفقة بهذا المعنى تكشف عن تحول أكبر في مفهوم الثروة ذاته. فعلى مدى عقود طويلة، ارتبطت القوة الاقتصادية بما تمتلكه الدول من النفط والغاز والمعادن والمصانع والبنية التحتية. أما اليوم، فقد أصبحت الأصول غير الملموسة، كالبرمجيات، والمنصات الرقمية، والخوارزميات، والملكية الفكرية، والعلامات التجارية، ورأس المال البشري، مصدر متزايد الأهمية للقيمة الاقتصادية. ولم يعد السؤال فقط: ماذا تنتج الشركة؟ بل أيضًا: ماذا تعرف؟ وما الذي تستطيع أن تبنيه انطلاقًا من هذه المعرفة؟

ولعل صناعة الألعاب الإلكترونية من أوضح النماذج التي تجسد هذا التحول. فاللعبة الحديثة لم تعد منتجًا يُباع مرة واحدة، بل منصة رقمية تتطور باستمرار، وتضيف محتوى جديدًا، وتبني مجتمعًا عالميًا، وتحافظ على علاقة قد تمتد لسنوات مع المستخدم. ولهذا سجلت EA في سنتها المالية 2026 نشاطًا تجاريًا قياسيًا تجاوزت قيمته 8 مليارات دولار، مدفوعًا بمحفظتها الرياضية وألعابها وخدماتها الرقمية المستمرة، وهو ما يعكس كيف أصبحت العلاقة المتجددة مع اللاعب جزءًا أساسيًا من نموذج القيمة في صناعة الألعاب.

لكن الإيرادات ليست سوى النتيجة الظاهرة. أما القيمة الأعمق فتبدأ من طبيعة التفاعل داخل هذه المنصات. ففي وسائل الإعلام التقليدية يشاهد المتلقي المحتوى، بينما داخل اللعبة يصبح جزءًا من التجربة؛ يتخذ قرارات، ويغير استراتيجياته، ويتعاون، ويتنافس، ويستجيب للحوافز، ويعود مرة بعد أخرى. ومع تراكم ملايين التفاعلات عبر أسواق وثقافات مختلفة، لا تتولد بيانات فحسب، بل تتشكل معرفة بالأنماط العامة للاستخدام والتفضيلات ودوافع الاستمرار واتجاهات المجتمعات الرقمية.

وهنا تحديدًا تكمن إحدى أهم زوايا اقتصاد الألعاب المعاصر. فالسلوك هو المصدر، والبيانات هي الأثر، والمعرفة هي القيمة. البيانات الخام لا تصنع ميزة تنافسية بمجرد امتلاكها؛ قيمتها تبدأ عندما تُحلل وتُفسر وتتحول إلى قرارات أفضل ومنتجات وتجارب أكثر ملاءمة للمستخدم. وفي عالم تتنافس فيه الشركات على الوقت والانتباه بقدر تنافسها على الإنفاق، تصبح القدرة على فهم لماذا يعود المستخدم، ومتى يغادر، وما الذي يجذب اهتمامه، أصلًا اقتصاديًا في حد ذاته.

ويزداد هذا الأصل أهمية عندما تكون المجتمعات الرقمية عابرة للحدود. فالمنصة التي يتفاعل معها مستخدمون من آسيا وأوروبا والأمريكيتين والشرق الأوسط لا ترى سوقًا واحدة متجانسة، بل تكشف أنماطًا متعددة من الاهتمامات والتفضيلات والاستجابات. وتحليل هذه الأنماط السلوكية بصورة مجمعة ومسؤولة، وضمن أطر حماية البيانات والخصوصية، يمكن أن يدعم تجزئة الأسواق، واستشراف الاتجاهات، وتصميم منتجات وخدمات أكثر ملاءمة، واستكشاف فرص البيع المتقاطع (Cross-selling) والبيع التصاعدي (Up-selling). والأهم أن قيمة هذه المعرفة لا تتوقف عند تطوير الألعاب نفسها؛ فالخبرات والمنهجيات المتولدة داخل هذه المنصات يمكن أن تسهم في تحسين القرارات واستلهام فرص جديدة في صناعات أخرى، من التجارة الإلكترونية والإعلام إلى السياحة والخدمات المالية والصحة. وهنا تنتقل البيانات من مجرد أثر للنشاط الرقمي إلى معرفة قابلة للتوظيف في صناعة القرار وخلق قيمة اقتصادية تتجاوز حدود صناعة الألعاب.

ولهذا فإن القيمة الاقتصادية للألعاب لا تكمن فقط في الإيرادات التي تحققها، بل أيضًا في المعرفة التي تولدها، وفي القدرة على تحويل هذه المعرفة إلى قرارات ومنتجات وفرص اقتصادية تتجاوز حدود صناعة الألعاب ذاتها.

وفي هذه المرحلة يظهر الذكاء الاصطناعي بوصفه حلقة تربط المعرفة بالفعل. فهو قادر على تحليل أنماط يصعب على الإنسان التقاطها بالسرعة والحجم نفسيهما، والمساعدة في تخصيص التجارب، واختبار التصاميم، وتسريع بعض مراحل التطوير، واستشراف الاتجاهات. وفي الاتجاه الآخر، تمنح الألعاب الذكاء الاصطناعي بيئة غنية بالتفاعل والاختيار والتعاون والمنافسة. ومن ثم، فالعلاقة بينهما ليست اتجاهًا واحدًا؛ الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل صناعة الألعاب، والألعاب بدورها توفر بيئة متقدمة لتطوير تقنيات التفاعل والتحليل.

ولا تقف قيمة هذه الصناعة عند البيانات أو التقنية. فقيمة EA Sports FC أو The Sims أو Battlefield لا تكمن في الأكواد البرمجية وحدها، وإنما في الملكية الفكرية والعلامات التجارية والمجتمعات التي تشكلت حولها والثقة التي تراكمت عبر سنوات. وهذه الأصول يمكن أن تولد قيمة من التراخيص، والشراكات، والمحتوى، والبطولات، والمنتجات والخدمات المرتبطة بها. وفي اقتصاد تزداد فيه أهمية الأصول غير الملموسة، تصبح القدرة على ابتكار ملكية فكرية عالمية والمحافظة عليها أحد أكثر مصادر القيمة استدامة.

ويتجاوز الأثر حدود الترفيه أيضًا. فتقنيات الألعاب والمحاكاة والتفاعل وجدت تطبيقات في التعليم والتدريب والتصميم والهندسة، وكذلك في بعض تطبيقات الصحة الرقمية وإعادة التأهيل. وهذا لا يجعل كل لعبة أداة تعليمية أو علاجية بطبيعة الحال، لكنه يكشف عن قاعدة تقنية وإبداعية تستطيع ابتكاراتها الانتقال إلى قطاعات أخرى.

أما ثقافيًا، فالألعاب تضيف بعدًا مختلفًا إلى مفهوم القوة الناعمة. فالسينما تعرض قصة على المشاهد، بينما تستطيع اللعبة أن تضعه داخل القصة وتمنحه دورًا فيها. ومن هنا تستطيع الشخصيات، والأماكن، واللغة، والموسيقى، والتاريخ، والقيم الثقافية أن تتحول إلى تجربة يعيشها المستخدم، لا إلى رسالة يشاهدها فقط. وفي عالم تتنافس فيه الدول أيضًا على الصورة الذهنية والانتباه والحضور الثقافي، تصبح الملكية الفكرية الرقمية وسيلة اقتصادية وثقافية في الوقت نفسه.

وعند هذه النقطة تحديدًا، يمكن قراءة التحركات السعودية في قطاع الألعاب بصورة مختلفة. فمن خلال Savvy Games Group، والاستحواذ على  Scopely، وبناء ESL FACEIT Group، والاستثمارات في شركات ألعاب عالمية وآسيوية، وصولًا إلى المشاركة في صفقة  EA، لا تبدو التحركات أحداثًا منفصلة بقدر ما تكشف عن بناء حضور يمتد عبر حلقات مختلفة من سلسلة القيمة؛ من التطوير والنشر إلى الرياضات الإلكترونية والمنصات والملكية الفكرية.

وتترجم الاستراتيجية الوطنية للألعاب والرياضات الإلكترونية هذا التوجه إلى مستهدفات اقتصادية واضحة، من بينها الإسهام بنحو 50 مليار ريال في الناتج المحلي الإجمالي، وتوفير نحو 39 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة بحلول عام 2030. غير أن أهمية هذه الأرقام لا تكمن في الأرقام نفسها، بل فيما يجب أن يحدث حتى تتحقق: بناء قطاع منتج، وتطوير الكفاءات، ونمو الشركات المحلية، وإنتاج المحتوى والملكية الفكرية، وربط الاستثمار العالمي بالاقتصاد الوطني.

وهنا يظهر الفارق بين امتلاك الأصل وبناء القدرة. فرأس المال يستطيع شراء شركة، لكنه لا ينقل تلقائيًا خبرتها وثقافتها الإبداعية وقدرتها على الابتكار. وستتجلى القيمة الاستراتيجية الأعمق لهذه الاستثمارات ليس في حجم المحفظة أو قيمة الصفقات فحسب، بل فيما تتيحه من تطوير للمواهب السعودية، وبناء استوديوهات وطنية تنافسية، وتمكين الشركات الناشئة من الدخول في سلاسل القيمة العالمية، وتعزيز الترابط بين الجامعات ومراكز البحث والصناعة.

وتقدم التجارب الدولية دروسًا مهمة في ذلك. فاليابان لم تبنِ تأثيرها العالمي في الألعاب على حجم الاستهلاك فقط، وإنما على شخصيات وعوالم وملكيات فكرية أصبحت جزءًا من الثقافة الشعبية العالمية. وبولندا استطاعت من خلال عدد محدود من الاستوديوهات الناجحة تحويل قدرات إبداعية محلية إلى منتجات عالمية، بينما انتقلت الصين تدريجيًا من كونها سوقًا استهلاكية ضخمة إلى لاعب رئيسي في التطوير والنشر والمنصات. القاسم المشترك هو أن القيمة الأعلى لم تأتِ من لعب الألعاب، بل من صناعتها وامتلاك حقوقها وتصديرها.

وتمتلك المملكة عناصر يمكن البناء عليها؛ قاعدة شبابية واسعة ومتفاعلة رقميًا، وقدرة استثمارية، ومشروعات كبرى في الرياضة والسياحة والترفيه، إلى جانب التحول الرقمي المتسارع. كما تفتح القدية، وكأس العالم للرياضات الإلكترونية، والاستعداد لاستضافة كأس العالم 2034، مساحات للتكامل بين العالمين المادي والرقمي، وبين الرياضة والسياحة والمحتوى والترفيه. لكن تحويل هذا التقاطع إلى ميزة اقتصادية يتطلب أن تنتقل المملكة تدريجيًا من استضافة التجربة وامتلاك بعض أصولها إلى تصميمها وإنتاجها وتصديرها.

وهذا هو التحدي الذي ينبغي ألا تحجبه ضخامة الصفقات. صناعة الألعاب شديدة المنافسة، وتتغير فيها أذواق المستخدمين بسرعة، وقد يفشل مشروع ضخم رغم استثماراته الكبيرة. كما أن القيمة الأساسية في كثير من الاستوديوهات تكمن في المبدعين والمطورين أنفسهم؛ وفقدانهم قد يعني فقدان جزء من الأصل الذي تم الاستحواذ عليه. لذلك تحتاج الاستراتيجية، إلى جانب رأس المال، إلى حوكمة تحافظ على استقلالية الإبداع، واستثمار طويل الأجل في المواهب، وبيئة تنظيمية تحمي الملكية الفكرية وتشجع الشركات الناشئة على المخاطرة والنمو.

وعلى المدى الطويل، لن يقتصر قياس النجاح على عدد الشركات العالمية التي يتم الاستثمار فيها، بل سيمتد إلى عدد الشركات السعودية القادرة على المنافسة معها. ولا بعدد الملكيات الفكرية التي نمتلك حصصًا فيها، بل بعدد الملكيات الفكرية التي تولد داخل المملكة وتصل إلى العالم. هنا فقط يتحول الاستثمار الخارجي من محفظة أصول ناجحة إلى قدرة اقتصادية وطنية مستدامة.

وعند العودة إلى سؤال البداية، تصبح قيمة EA أقل غرابة. فالمستثمر لا ينظر إلى لعبة على الشاشة، بل إلى منظومة من الملكية الفكرية والمواهب والمنصات والمجتمعات الرقمية والإيرادات المتكررة والمعرفة المتراكمة. والصفقة، مهما كان تقييمها المالي النهائي، تكشف عن حقيقة أوسع: العالم يعيد تعريف ما يعتبره أصلًا استراتيجيًا.

لقد كان النفط، ولا يزال، أحد أهم مقومات القوة الاقتصادية والتنمية، لكن الاقتصاد الرقمي أضاف طبقة جديدة إلى المنافسة العالمية. لم تعد الدول تتنافس فقط على الموارد والبنية التحتية ورأس المال، بل كذلك على المواهب، والمنصات، والخوارزميات، والملكية الفكرية، والقدرة على إنتاج المعرفة وتحويلها إلى قيمة.

لذلك، لا تبدو استثمارات المملكة في الألعاب رهانًا على الترفيه بقدر ما هي رهان على موقع داخل اقتصاد يتشكل الآن. وسيكون النجاح الحقيقي عندما تتحول القوة المالية إلى قدرة معرفية، والاستحواذ إلى نقل وتوليد للمعرفة، والاستهلاك إلى إنتاج، والملكية العالمية إلى ملكية فكرية سعودية تستطيع هي الأخرى عبور الحدود.

ففي الاقتصاد الجديد، السلوك هو المصدر، والبيانات هي الأثر، والمعرفة هي القيمة؛ أما القدرة على تحويل هذه المعرفة إلى قرار وابتكار وملكية فكرية، فهي ما يصنع الميزة الاقتصادية ويحدد من يشارك في المستقبل ومن يسهم في صناعته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات