بين ألم الفراق وراحة الرحيل
حجم الخط |
- A+
- A
- A-
أكتب هذا المقال وأنا أجزم بأنه أحد أصعب المقالات التي كتبتها أو سأكتبها مستقبلاً . ففيه تناقض مؤلم بين ما يشعر به الأهل حين يفقدون عزيز عليهم بعد مرض طويل أنهكه ، وبين ما عانى منه فقيدهم من أوجاع وآلام ، لا يشعر بها إلا المريض نفسه .
فحين يرحل شخص عزيز بعد أشهر أو سنوات من المرض والألم ، يكون الحزن على فراقه طبيعياً ومفهوماً . نفقد صوته ، حضوره ، تفاصيل اعتدنا عليها ، ونشعر أن شيئاً من حياتنا قد رحل معه . لكن هناك سؤالاً آخر ربما لا نفكر فيه ونحن غارقون في ألم الفقد : ماذا عن الألم الذي كان يعيشه هو؟
نحن نرى لحظة الرحيل ، أما هو فقد عاش الأيام والأسابيع والشهور التي سبقتها . رأيناه مريضاً ، لكننا مهما اقتربنا منه لا نستطيع أن نشعر بألمه كما كان يشعر به هو.
لذلك ، قد يكون تمسكنا ببقائه نابعاً من حبنا له ، لكنه قد يحمل شيئاً من تعلقنا نحن بوجوده بيننا أيضاً.
نريده أن يبقى معنا ، أن نستمر في سماع صوته ورؤيته ، بينما هو كان يعيش مع جسد أنهكه المرض ، وأيام أثقلها الألم .
لا يعني هذا أن حزن الأهل أنانية ، ولا أن عليهم ألا يبكوا أو يشتاقوا . فالحزن على من نحب جزء من الوفاء ، ولا أحد يستطيع أن يطلب من القلب أن يتوقف عن الحزن . لكن ربما نحتاج ، وسط هذا الحزن ، إلى أن نتذكر أن الفراق الذي يؤلمنا قد يكون راحةً لمن فارقنا.
نحن فقدناه ، نعم . لكن ماذا لو كان هو قد فقد قبلنا شيئاً آخر : صحته ، قدرته ، راحته ، وربما أياماً طويلة عاشها في انتظار الفرج ؟ لذلك ، حين نفقد مريضاً عزيزاً بعد معاناة طويلة ، فلنبكِه ونشتق إليه ، فهذا حق القلب . لكن لندعُ له أيضاً بالرحمة ، ولنتذكر أن رحيل الإنسان لا يُرى من زاوية واحدة . نحن نرى غيابه… وربما كان هو قد وجد راحته .
ما كنت أتمنى أن أكتب هذا المقال ، لولا أنني كنت شاهداً على نقاش حادٍ ومؤلم حول ذلك .
اللهم أحسن خاتمتنا وأرحم موتانا وموتى المسلمين .
