حين يظن الفرد أنه المجتمع

محمد البكر

في داخل كل واحدٍ منا رغبة خفية بأن تسير الأمور كما نريد . نحب أن تُفتح الطرق التي نختارها ، وأن تُتخذ القرارات التي تناسبنا ، وأن تُدار الحياة وفق مقاساتنا الخاصة . هذا الشعور ليس استثناءً ، بل هو جزء من طبيعة الإنسان حين ينظر إلى العالم من زاويته الضيقة ، ويرى احتياجه أولاً قبل أن يرى الصورة كاملة .

لكن المشكلة لا تبدأ من هذه الرغبة ، بل من اللحظة التي تتحول فيها إلى معيار نحاكم به كل شيء . حين لا تتحقق مطالبنا ، نسارع إلى تفسير ذلك على أنه تقصير ، أو إهمال ، أو غياب للعدالة . نغضب ، ننتقد ، وربما نُصعّد ، وكأن ما نريده يصبح هو الحق المطلق الذي يجب أن يُلبّى . ننسى في خضم ذلك أننا لسنا وحدنا ، وأن خلف كل قرار تتخذه أي جهة حكومية اعتبارات أوسع ، وحسابات لا تُبنى على رغبة فرد ، بل على مصلحة مجتمع كامل . ما يبدو لنا تأخيراً قد يكون تنظيماً ، وما نراه رفضاً قد يكون حماية ، وما نعتبره تجاهلاً قد يكون توازناً بين احتياجات متعارضة .

الحقيقة التي نتغافل عنها أحياناً أن الإنسان ، مهما اتسعت تجربته ، يظل فرداً … لا يمثل المجتمع كله ، ولا يرى كل زواياه . ومن هنا ، يصبح من العدل أن نمنح تلك القرارات مساحة للفهم قبل الحكم ، .وأن نُدرك أن المصلحة العامة لا تُفصّل على مقاس أحد ، بل تُبنى لتستوعب الجميع .

ليس المطلوب أن نتخلى عن حاجاتنا ولا تمنياتنا ، لكن المطلوب أن نُوازن بين ما نريده نحن ، وما يحتاجه الجميع . أن نُدرك أن صوتنا مهم … لكنه ليس الصوت الوحيد . فحين نفهم ذلك ، سنكتشف أن كثيراً مما كنا نراه تقصيراً لم يكن كذلك ، بل كان محاولة للوصول إلى عدالة لا تُرضي فرداً بعينه ، لكنها تحاول أن تنصف مجتمعاً بأكمله .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات