يا حظ المشغولين

محمد البكر

كنت في أحد المجمعات ، فسمعت رجلاً يقول لمحدثه عبر الهاتف : ” أنا مشغول .. ما عندي وقت” . وبعد لحظات ، سمعت رجلاً يقف قريباً مني يقول بنبرة لم تخلُ من الحسرة : ” يا حظه ” .

توقفت عند العبارة . كيف يصبح الانشغال حظاً يتمناه الإنسان ، بينما يشكو منه كثيرون ؟ ثم بدا لي أن من قالها متقاعد ، وأنه لم يكن يغبط الرجل على وظيفته أو راتبه أو منصبه ، بل على أن هناك من ينتظره ، وعملاً يشغله ، وموعداً يخشى أن يتأخر عنه .

بعض المتقاعدين لا تؤلمهم قلة الدخل وإن كان مهماً ، بقدر ما يؤلمهم ذلك الفراغ الممتد . ولا يفتقدون المكاتب بقدر ما يفتقدون الشعور بأن لهم دوراً ، وأن وجودهم لا يزال مطلوباً ، وأن يومهم مرتبط بمهمة أو مسؤولية أو شخص ينتظرهم . فالموظف الذي أمضى ثلاثين أو أربعين عاماً في الطب أو الهندسة أو التعليم أو الإدارة أو الإعلام ، لا يفقد خبرته بمجرد أن يتسلم قرار التقاعد . ومن غير المنطقي أن تتحول هذه الخبرات ، بين ليلة وضحاها ، إلى ذكريات تُروى في المجالس ، بينما المجتمع لا يزال بحاجة إليها .

لماذا لا تُفتح أمام المتقاعدين فرص عمل جزئي ومرن؟ يومان أو ثلاثة في الأسبوع ، أو ساعات محدودة ، أو أعمال استشارية وإشرافية ، يكون الهدف منها ليس تحسين دخله فقط ، بقدر ما هو إبقاء المتقاعد على صلة بالعمل والناس والحياة . الفراغ لا يُهزم بكثرة النوم ، ولا بتكرار الأيام . والمتقاعد لا يحتاج إلى برنامج يقتل به الوقت ، وإنما إلى دور يجعل للوقت معنى .

وربما لهذا قال الرجل ، وهو يسمع الآخر يعتذر لانشغاله ” يا حظ المشغولين ” .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات