الرأي
الرياضة السعودية… من صناعة القطاع إلى صناعة البطل
حجم الخط |
- A+
- A
- A-
بعد كل إخفاق، يتكرر المشهد نفسه، يتجه الحديث إلى المدرب، ثم إلى رئيس الاتحاد، ثم إلى اللاعبين. تتبدل الأسماء، لكن النقاش يبقى كما هو. استقالة رئيس الاتحاد السعودي لكرة القدم ليست القضية بحد ذاتها، بل فرصة لمراجعة أوسع؛ فالرياضة السعودية لم تبدأ مع هذا الاتحاد، ولن تنتهي برحيله، واختزال المشهد في تغيير الأشخاص يعيد إنتاج الحلول المؤقتة التي جربناها طويلاً ولم تقدنا كثير للأمام بحلول مستدامة، بل إعادتنا إلى نقطة البداية ونكون في حلقة دائرية.
خلال سنوات قليلة، شهدت الرياضة السعودية تحولاً كبيراً؛ استثمارات ضخمة، وتخصيصاً للأندية، ومنشآت حديثة، واستضافةً لأكبر الأحداث العالمية، إلى جانب قفزة نوعية في معدلات ممارسة النشاط البدني المجتمعي. هذه حقائق راسخة تمثل واحدة من أهم قصص التحول الوطني نجاحاً ضمن رؤية السعودية 2030. لكن نجاح بناء القطاع لا يكتمل إلا عندما يتحول هذا الاستثمار الكبير إلى نتائج رياضية مستدامة على المنصات الاقليمية والدولية.
وهنا تبدو المرحلة الحالية مفصلية؛ فالمملكة لا تستعد فقط لمنافسات قادمة، بل لمرحلة رياضية مختلفة عنوانها تخصيص الأندية، وتوسيع قاعدة المشاركة، وتطوير الأكاديميات، والاستعداد لاستحقاقات رياضية عالمية كبرى. لذلك لم يعد كافياً أن نقيس التحول بما بُني من منشآت أو ما استُضيف من بطولات، بل بما ينتجه هذا التحول من رياضيين قادرين على المنافسة.
التحدي الحقيقي اليوم ليس في تشخيص المشكلة، بل في إعادة تصميم رحلة بناء الرياضي السعودي. هناك فرق كبير بين بناء قطاع رياضي، وبين بناء رياضي قادر على المنافسة عالمياً؛ فالقطاع يمكن تشييده بالتمويل، والأنظمة، والمنشآت، وجلب النجوم. أما الرياضي البطل، فلا يُبنى إلا عبر رحلة طويلة من البناء والتطوير؛ تبدأ داخل الأسرة، ثم المدرسة، فالحي، فالجامعة، فالنادي، وصولاً إلى المنتخب والاحتراف الكامل. هذه الرحلة سلسلة متكاملة؛ وأي حلقة تضعف فيها تنعكس سلباً على المنتج النهائي مهما كانت جودة وقيمة بقية الحلقات. ولهذا، فإن المنتخب ليس بداية القصة، بل آخر فصولها.
وحين نتأمل واقعنا، نجد أن كثيراً من نجومنا لم يصلوا عبر منظومة واضحة، بل بفضل موهبة استثنائية، واجتهاد شخصي، أو لأن أحد الكشافين اكتشفهم في الوقت المناسب. وهذا يطرح سؤالاً مهماً: كم موهبة لم تجد من يكتشفها؟ فالمنظومات الناجحة لا تكتفي بالاعتماد على هذه اللحظات، بل تجعل اكتشاف الموهبة نتيجة متوقعة، لا استثناءً.
إن غياب هذا النظام هو ما يقودنا إلى الفجوة الأخطر في دورة حياة الموهبة الوطنية، والتي تقع في مرحلة حرجة بين سن 18 و23 عاماً. في هذه المرحلة تحديداً، تتبخر أهم المواهب؛ إذ يخرج اللاعب الشاب من الفئات السنية ليصطدم ببريق الشهرة وعقود الملايين المبكرة، وفي المقابل يجد نفسه غالباً حبيس دكة البدلاء لصالح الأسماء العالمية المتاحة في الدوري. هنا يفقد الشاب الواعد دقائق اللعب الفعالة، فيخسر أهم سنوات التطور الفني، وتفتر لديه رغبة الاجتهاد والكفاح والشغف اليومي من أجل التطوير، إذا لم تقترن امتيازات العقد بفرص اللعب، والتطور، والمساءلة. وهنا تبدأ آثار هذا الفراغ بالظهور على مستوى الأندية والمنتخبات، لتقودنا إلى النقاش الدائم حول الاحتراف والرواتب.
والمسألة هنا لا تكمن في الاعتراض على حصول المتميز على دخل عالٍ، فهذا منطق طبيعي؛ لكن المعضلة تكمن في فك الارتباط بين الأجر والإنتاجية. في قطاعات الأعمال كافة، ترتفع الرواتب كلما ارتفعت المسؤولية والمساءلة؛ والاحتراف الرياضي ليس استثناءً. اللاعب المحترف ليس شخصاً يؤدي حصة تدريبية مسائية قصيرة ثم يغادر؛ بل هو صاحب مهنة تتطلب انضباطاً يومياً كاملاً، يتنقل فيه بين التأهيل البدني، وتحليل الأداء، والقياسات الذهنية، وبرامج التغذية، والتعافي. ولا يمكن أن تترسخ ثقافة الاحتراف إلا عندما يصبح الاحتراف أسلوب حياة، وتربط العقود بين الدخل، والأداء، والالتزام، والتطور المستمر.
هذه القصة تبدأ قبل توقيع أول عقد احترافي بسنوات؛ فالمملكة العربية السعودية تمتلك اليوم قاعدة بشرية شابة هائلة في التعليم العام، لكن قيمة هذه المكونات لا تتحقق إلا عندما تعمل ضمن هدف واحد، لا أن يعمل كل منها بمعزل عن الآخر.
وتزداد أهمية ذلك مع التغيرات السكانية التي يشهدها المجتمع السعودي؛ فمع تغير معدلات المواليد وأنماط الحياة خلال السنوات الأخيرة، لن تكون وفرة الأعداد وحدها كافية لصناعة أبطال المستقبل، وستصبح القدرة على اكتشاف الموهبة مبكراً، وتطويرها، والحفاظ عليها حتى تصل إلى أعلى مستوياتها، أحد أهم عوامل التميز الرياضي في المستقبل.
ولعل أكاديمية مهد تمثل اليوم نموذجاً وطنياً متقدماً يعمل وفق معايير عالمية في اكتشاف المواهب، وتأهيلها، وتطويرها. إلا أن حجم المملكة، واتساعها الجغرافي، وتنوعها السكاني، يتطلب أكثر من مركز تميز واحد؛ فاستدامة صناعة الأبطال تستدعي منظومة وطنية متكاملة، تصبح فيها كل مدينة وكل منطقة إدارية جزءاً من شبكة مترابطة لاكتشاف المواهب، ورعايتها، وتطويرها، وربطها بمسارات وطنية واضحة تقود الرياضي من الاكتشاف المبكر إلى أعلى مستويات المنافسة. فصناعة جيل واحد من الأبطال إنجاز مهم، أما بناء منظومة قادرة على إنتاج أجيال متعاقبة من الأبطال، فهو الإنجاز الذي يصنع الفارق الحقيقي.
هنا يبرز دور المدرسة، والجامعة، والبحث العلمي؛ فالمدرسة قادرة على أن تكون المحطة الأولى لاكتشاف المواهب عبر قياسات بدنية موحدة، والجامعة ومرافقها يمكنها أن تتحول من طرف بعيد إلى مختبر وشريك معرفي للأندية والاتحادات في الطب الرياضي، وعلوم التغذية، وتحليل الأداء، والذكاء الاصطناعي الرياضي. الرياضة الحديثة لم تعد تعتمد على الموهبة وحدها، بل على تسخير البحث العلمي لتحسين الأداء، ودعم القرار، وتطوير الرياضي بصورة مستمرة.
لكن المعرفة وحدها لا تكفي ما لم ترتبط بحوكمة واضحة تحاسب على النتائج، لا على كثرة الإجراءات؛ فنجاح أي اتحاد أو برنامج لا ينبغي أن يُقاس بعدد الاجتماعات أو الورش أو حجم الميزانية، بل بعدد المواهب التي اكتُشفت، وبجودة تطويرها، وبساعات اللعب التي حصل عليها اللاعبون الشباب، وبمدى انتقال البحث العلمي إلى قرارات داخل الأندية والاتحادات. عندها فقط تصبح الحوكمة أداة لتحسين الأداء، لا مجرد التزام إداري ونقاط ومقابل مادي.
هذا هو الفارق بين وجود مؤسسات رياضية، ووجود منظومة رياضية تُقاس بقدرتها على إنتاج النتيجة نفسها بكفاءة وتكرار. الاستثمار الرياضي الحقيقي لا يُقاس بحجم الصفقات أو أعداد الملاعب، بل بقدرة النظام الوطني على رصد الموهبة، وحمايتها، ومتابعتها علمياً، وقياس أثر البرامج التي تعمل من أجلها.
لقد نجحت المملكة في تأسيس قطاع رياضي حديث وجاذب خلال فترة زمنية قياسية، وهي قصة نجاح وطنية تستحق الإشادة؛ لكن معايير المرحلة المقبلة تختلف. ستُقاس المرحلة المقبلة بعدد اللاعبين السعوديين القادرين على المنافسة العالمية، وبعدد المدربين والحكام الوطنيين الذين يقودون النخبة، وبقدرة البحث العلمي على التحول إلى قرارات داخل الاتحادات والأندية، وبعدد المواهب التي ننجح في اكتشافها، وحمايتها، وتطويرها حتى تصل إلى منصات التتويج.
الإنجاز لا يولد في المباراة النهائية، ولا ينتهي باستقالة مسؤول؛ إنه نتاج نظام مؤسسي يعرف كيف يكتشف الموهبة، ويطورها، ويقيس تقدمها باستمرار.
رحلتنا المقبلة لن تُقاس بما نبنيه من منشآت، بل بما ننجح في بنائه من رياضيين. فالإنجاز لا يبدأ عند صافرة المباراة، بل قبلها بسنوات؛ يوم تتكامل أدوار الأسرة، والتعليم، والرياضة، والبحث العلمي في مشروع وطني واحد يضع بناء الرياضي في مقدمة أولوياته. عندها تصبح البطولات نتيجة طبيعية مستدامة، لا هدفاً نطارده في كل مرة.

