السجل العقاري بين تعزيز الثقة العقارية وتحسين تجربة المستفيد
حجم الخط |
- A+
- A
- A-
عندما أطلقت المملكة مشروع السجل العقاري، لم يكن الهدف إنشاء منصة إلكترونية جديدة أو إضافة إجراء إداري آخر إلى القطاع العقاري، بل كان المشروع جزءًا من تحول جذري في مفهوم الملكية العقارية نفسها. فالانتقال من تسجيل “الصك” إلى تسجيل “العقار” يمثل أحد أكبر الإصلاحات التنظيمية التي شهدها القطاع العقاري السعودي منذ عقود.
ومنذ تأسيس الشركة الوطنية لخدمات التسجيل العيني للعقار عام 2022م، بدأ تنفيذ مشروع ضخم يستهدف بناء سجل عقاري موحد يغطي ملايين العقارات في المملكة، ويعتمد على بيانات مساحية دقيقة وإحداثيات جغرافية حديثة، بما يضمن توثيق الملكيات والحقوق والقيود بصورة أكثر دقة وموثوقية.
وخلال فترة وجيزة، تمكن المشروع من تسجيل ملايين العقارات وإصدار أكثر من مليون سجل عقاري، مع التوسع التدريجي في مختلف مناطق المملكة. كما نجح في بناء قاعدة بيانات عقارية تعد من الأكثر شمولًا في تاريخ القطاع العقاري السعودي، وهو إنجاز لا يمكن التقليل من أهميته، خصوصًا في ظل ما يشهده القطاع من نمو متسارع وتوسع في التمويل العقاري والاستثمار المحلي والأجنبي.
ومن الناحية القانونية، يوفر السجل العقاري مستوى أعلى من الحماية للملكية العقارية. فالعقار المسجل يصبح له سجل موحد يتضمن كافة الحقوق والالتزامات والرهون والتصرفات، مما يقلل من احتمالات النزاعات مستقبلاً ويعزز الثقة في السوق العقاري. كما أن هذا النموذج معمول به في العديد من الدول المتقدمة التي تعتمد أنظمة التسجيل العيني للعقار.
إلا أن نجاح أي مشروع وطني لا يقاس فقط بما يحققه من أهداف استراتيجية، بل أيضًا بمدى سهولة استخدامه من قبل المواطنين والمستثمرين، وهنا بدأت تظهر بعض الملاحظات والانتقادات التي تستحق التوقف عندها.
أبرز هذه الانتقادات يتعلق بتجربة المستخدم. فقبل تطبيق السجل العقاري، كانت وزارة العدل قد نجحت في تقديم واحدة من أكثر التجارب الرقمية تطورًا في المنطقة من خلال الإفراغ العقاري الإلكتروني عبر منصة ناجز. كان البائع والمشتري قادرين على إتمام عملية نقل الملكية إلكترونيًا باستخدام التحقق الرقمي والاتصال المرئي دون الحاجة إلى مراجعة أي جهة حضوريًا، وهو ما اختصر الوقت والجهد والتكاليف بشكل كبير.
أما بعد انتقال بعض العقارات إلى منظومة السجل العقاري، فقد أصبح الحضور الشخصي مطلوبًا في عدد من الحالات لإتمام إجراءات الإفراغ أو التحقق أو التوقيع، وهو ما أثار استغراب العديد من المستفيدين الذين رأوا في ذلك تراجعًا عن مكتسبات التحول الرقمي التي تحققت خلال السنوات الماضية.
كما برزت شكاوى أخرى تتعلق باختلاف بعض البيانات العقارية، أو الحاجة إلى تصحيح أوصاف العقارات وحدودها، أو معالجة الصكوك القديمة التي لم تكن محدثة بصورة كاملة. وظهرت أيضًا تحديات مرتبطة بالعقارات الموروثة، حيث اكتشف بعض الورثة أن استكمال التسجيل يتطلب أولاً معالجة أوضاع الإرث أو تحديث بيانات التركة أو استكمال مستندات لم تكن مطلوبة سابقًا.
ومن زاوية أخرى، أثارت الغرامات المقررة على التأخر في التسجيل بعض القلق لدى الملاك، رغم أن الجهات المختصة أوضحت أن مجرد التقديم على الطلب خلال المهلة المحددة يحمي المالك من المخالفة، حتى لو استغرقت معالجة الطلب وقتًا أطول.
غير أن الملاحظة الأكثر أهمية لا تتعلق بالغرامات أو الإجراءات بقدر ما تتعلق بفلسفة المشروع نفسها. فالسجل العقاري يسعى إلى تحقيق أعلى درجات الموثوقية القانونية، بينما اعتاد المستفيد خلال السنوات الأخيرة على أعلى درجات السهولة الرقمية. والتحدي الحقيقي يكمن في تحقيق التوازن بين هذين الهدفين.
فإذا كان تشديد إجراءات التحقق اليوم يهدف إلى حماية الملكيات العقارية ومنع الاحتيال وضمان سلامة البيانات، فإن المستفيد يتطلع في الوقت ذاته إلى استعادة التجربة الرقمية السلسة التي عرفها سابقًا عبر منصات وزارة العدل. ومن هنا يبرز السؤال الذي يطرحه كثير من المختصين والعاملين في القطاع العقاري:
هل يمكن الجمع بين قوة الحماية القانونية التي يوفرها السجل العقاري وبين مرونة الإفراغ الإلكتروني والتوثيق المرئي التي نجحت فيها التجربة السابقة؟
الإجابة على هذا السؤال ستحدد إلى حد كبير شكل المرحلة المقبلة من المشروع.
في المجمل، يبدو أن السجل العقاري نجح في تحقيق أهدافه الاستراتيجية الكبرى المتعلقة بحفظ الحقوق ورفع موثوقية السوق العقاري وبناء قاعدة بيانات وطنية متكاملة. إلا أن نجاحه الكامل سيبقى مرتبطًا بقدرته على معالجة التحديات التشغيلية وتطوير تجربة المستفيد بحيث لا يشعر المواطن أو المستثمر بأن رفع مستوى الحماية القانونية جاء على حساب سهولة الإجراءات وسرعة إنجاز المعاملات.
فالمستفيد لا يقارن السجل العقاري بما كان موجودًا قبل عشرين عامًا، بل يقارنه بما كان متاحًا له قبل عامين فقط. ولذلك فإن المرحلة القادمة لن تكون اختبارًا لقدرة السجل العقاري على تسجيل المزيد من العقارات فحسب، بل لقدرة المنظومة على الجمع بين الثقة القانونية والكفاءة الرقمية في آن واحد..